فهرس الكتاب

الصفحة 856 من 2255

6.الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: إن طبيعة تصرفات الطبيب وما يترتب عليها من أمور تؤثر على كثيرٍ من الناس، توجب على معاشر الأطباء أن يكون كلٌ منهم عونًا لأخيه، ينبهه حين يغفل ويصوبه حين يزل، وما ذلك إلا تفاديًا للعواقب الوخيمة الناجمة عن رؤية الخطأ والسكوت عنه، ولا يستشكل هذا مع ما سبق من خُلُق الستر، فقد بينا أن ضابط الستر هو فيما لا يضر بالمريض، بحيث يستر على الزلات اليسيرة لزملائه الأطباء التي لا يترتب عليها ضرر وإنما تكون تفويتًا للأكمل والأفضل97، أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو بين الطبيب وأخيه الطبيب، وإنما اصطلحت على هذا السلوك التناصحي الإصلاحي في ميدان المهنة بالاصطلاح الشرعي المشهور"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"ليتقرر في نفس كل طبيب مسلم أن هذا التعامل المهني الراقي هو من جنس هذا الواجب الشرعي، فيجب أن ينطلق من نفس الدوافع ويتأطر بنفس الأطر وتراعى فيه نفس المصالح والمفاسد؛ وتوضيحًا للأمر أقول إن توجيه الطبيب المسلم أخاه إلى سلوك مهني صحيح أو تنبيهه على خطأ أو زلة مهنية يجب أن يكون منطلقًا من دافع الحرص لا من دافع التجريح والإحراج، كما يراعى فيه اللين واللطف والأدب بعيدًا عن ألفاظ الأذى والتسفيه والتجهيل، كما أن اختيار ما يوجه أو ينبه إليه يجب أن يكون مما تترتب عليه مصلحة أو يندفع به أذى لا أن يكون نقدًا لمجرد النقد، وبمثل هذه الأخلاق يتجرد الطبيب المسلم من داعية هواه ويحتسب على هذا العمل مثل ما يحتسب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الشرعي من الأجر والمثوبة إن شاء الله.

ثانيًا: أخلاق الطبيب المسلم مع مريضه:

لا يخفى أن محور الحياة المهنية اليومية للطبيب قائمٌ على التعامل المستمر مع هؤلاء المرضى، وإن واجب الطبيب المسلم التحلي بالأخلاق الإسلامية في سياق هذا التعامل بغض النظر عن معاملة المريض له؛ وعلى الطبيب أن يدرك أن المريض الذي يتعامل معه يمر بظرف طارئ قد يفضي إلى بعض التصرفات القولية أو الفعلية غير المناسبة، وليكن الأصل في التعامل مع المريض في حالات ضعفه ومرضه قوله تعالى:"واخفض جناحك للمؤمنين"98، فإنه الوصف الأليق بالمؤمنين الكُمَّل الذين جاء وصفهم في القرآن:"فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين"99، وقال تعالى:"محمدٌ رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم"100، فعلى الطبيب المسلم أن يلين جانبه ويتواضع لمريضه المسلم ويحتمل منه ما قد يتفلت منه من سوء تصرف ويتعبد الله تعالى في ذلك. وليكن دأب الطبيب المسلم هذا اللين والرفق والتواضع حتى مع المريض غير المسلم ما لم يكن هنالك مانع شرعي من ذلك، إذ ليس المراد الاستدلال بالآيات على تعنيف المريض غير المسلم ونحوه بل إن مقام العزة على الكافر ليس هذا محله، فالمريض أيًا كان أمره ودينه يكون في حالة انكسار أدعى ما تكون للين الجانب والرفق، وإنما أكدت على ذلك مع المريض المسلم لأنه داخلٌ في إطار الحقوق والالتزامات بين المسلمين بعضهم البعض، ولننظر على سبيل المثال كيف كان خُلُق الرسول صلى الله عليه وسلم في التعامل مع المريض غير المسلم حتى لا تشتبه علينا الأمور أو نتوهم خلاف المشروع، فعن أنس رضي الله عنه قال:كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: أسلم. فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم فأسلم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول:"الحمد لله الذي أنقذه من النار"101، فأي رِفق ولينٍ ورحمةٍ أشد من هذه التي دفعت النبي صلى الله عليه وسلم إلى عيادة ذلك الصبي اليهودي ؟ إنه رفق ولين طبيب القلوب بل سيد الأطباء، وهكذا ينبغي أن يكون الطبيب المسلم مراعيًا لأكمل مصالح مريضه، وخافضًا له جناحه ومحتملًا في الله ما قد يصدر عنه، وإنها نفس الرحمة واللين الذين يسلكهما الداعية إلى الله وهو يخاطب فئام الناس على اختلاف مشاربهم، وهو يتمثل قول الحق سبحانه وتعالى:"ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك"102.

إن المقدمة السابقة تشير إلى وجود أصولٍ عامة يجب أن يتحلى بها الطبيب المسلم في تعامله مع كل المرضى، ثم إن هناك مجموعة من الآداب الخاصة التي يتحتم على الطبيب المسلم مراعاتها مع مريضه المسلم خصوصًا لأنها تتعلق بها جملة من الأحكام الشرعية فوجب التنبيه عليها. وفيما يلي بيان لبعض درر هذه الحلية إن شاء الله:

1-التواضع:

قال الله تعالى:"كلا إن الإنسان ليطغى . أن رآه استغنى"103 والطغيان هو المجاوزة في الحد، ولا شك أن ما يحصله الطبيب من علوم يتفوق بها على كثير من الناس قد تكون مظنة الزهو والاستعلاء الفارغ على الناس، بحيث لا يخاطبهم إلا من عِلٍّ ولا ينظر إليهم إلا بأنف شامخ وكأنه غفل عن قول الشاعر:

ملأى السنابل تنحني بتواضعٍ والفارغات رؤوسهن شوامخُ

فعلى الطبيب المسلم أن يتواضع ويدرك فضل الله تعالى عليه بهذا العلم، وأنه إنما أوتيه بفضل الله ومنته، لا بفضل نفسه أو ذكائه كما قال قارون حين ذُكِّر بفضل الله عليه فيما آتاه من مال:"قال إنما أوتيته على علم عندي أوَلم يعلم أن الله قد أهلك مِن قبله من القرون من هو أشد منه قوةً وأكثر جمعًا ولا يُسئل عن ذنوبهم المجرمون"104، وإني لأذكر عندما كنا في الولايات المتحدة كيف كان يتطاول بعض المجرمين ممن ينتسبون إلى هذه المهنة فيقولون متباهين بعلمهم وبطبهم وبتخصصاتهم الدقيقة أنهم"إله"هذا الفن أو الاختصاص أو يقوله عنهم بعض السفهاء من تلاميذهم والمبهورين بهم فلا حول ولا قوة إلا بالله105.

2-مخاطبة المريض بما يفهم:

والحقيقة أن هذا أصل شرعي في الخطاب التعليمي كما روت أمنا عائشة رضي الله عنها قالت:"كان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامًا فصلًا يفهمه كل من سمعه"106، وقال علي رضي الله عنه:"حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يُكذَّب الله ورسوله"107 ، ذلك أن الهدف من مخاطبة المريض تفهيمه ما يحتاج إليه في مرضه وعلاجه، ولس الهدف إظهار ما عندك من العلم أو الظهور على المريض والاستعلاء عليه ببعض الكلام الاصطلاحي، أو التشدق ببعض الكلام الأجنبي كما هو شائع اليوم، فعليك أيها الطبيب المسلم أن تخاطب المريض بما يستطيع فهمه لا بما تستطيع قوله، وحذار أن تُشعر المريض بالحرج أو الاحتقار إذا سألك أو استفصل منك عن كلامٍ قلته له، بل عليك أن تفسح المجال للمريض أن يسأل ويستوعب ويفهم ليخرج من عندك قرير العين مجبور الخاطر، ولك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، كان لا يُعنِّف سائلًا ولا يحتقر مسألةً ولا يهون من شأن أحدٍ البتة، مع علمك بأنه كان يَرِد عليه بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم الصحابي والأعرابي، الغني والفقير ، العزيز والحقير، المرأة والصبي والشيخ الكبير، وكلهم يصدر عنه وقد أجاب مسألته وراعى خاطره وخاطبه على قدر حاجته، بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه.

وأنبه إلى مسألة أخرى وهي أن المريض قد يُلغز إليك بالسؤال استحياءً من التصريح به، فعليك أن تكون نبيهًا فطنًا فتستفصل عما يُحرج المريض، وتطمئنه إلى أنك أهلٌ ومحل للثقة حتى لا تفوِّت عليه مسألته أو تخل بمصلحته.

3-مراعاة مصلحة المريض:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت