فهرس الكتاب
وأقصد بالنصح ها هنا الإخلاص113، فعلى الطبيب المسلم أن يكون مخلصًا فيما يقدمه للمريض من وسائل تشخيص وعلاج، ولا يكون همه مجرد تحصيل الأجر من المريض بأي صورة كانت، كأن يطلب من الفحوصات والاختبارات أو يصف من أنواع العلاج ما لا يحتاجه المريض حقيقةً من أجل أن يتكسب من ذلك. واعلم أيها الطبيب أن المريض قد وضع جسده وحياته أمانةً بين يديك، وقد قال الله تعالى:"إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها"114، وإن عدم مراعاة الأمانة وحفظها خيانة واضحة، بل هي خصلة من خصال النفاق التي حذر النبي صلى الله عليه وسلم منها، فعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أربع من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر"115، والشاهد في قوله صلى الله عليه وسلم:"إذا اؤتمن خان"،ولا شك أن الطبيب مؤتمن على حفظ ما يطلع عليه من حال مريضه بحكم المهنة وضرورة الكشف والعلاج، وتأمل معي حديث جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا حدَّث الرجلُ الحديث ثم التفت فهي أمانة"116، قلت: فإذا كان الحال كذلك فما بالك بأخص خصوصيات وأسرار المريض التي تطلع عليها، أفلا تكون أمانةً أثقل من الجبال؟ فحذار أن تتحول أسرار المرضى إلى أحاديث يُتفكه بها في ردهات المشافي والمصاعد وغيرها من المجالس.
فإذا عُلم هذا فلتعلم أيها الطبيب المسلم أنك مخاطَب بوجوب التزام الأمانة مع مريضك من جهتين اثنتين؛ إحداهما تتعلق بالمهنة والأخرى تتعلق بالشرع. أما ما يتعلق بالمهنة فقد تقدمت الإشارة إلى شيء منه، بحيث لا يجوز لك أن تخون المريض الذي ائتمنك على صحته وحياته فتتلاعب به، وتهول له الأمور، وتصف له ما لا يلزمه من الفحوصات والعلاجات، والأمر أسوأ إذا كان قصدك من وصف هذه الفحوصات والعلاجات غير اللازمة التكسب المادي بغير وجه حق، وأما ما يتعلق بالشرع فمن جهة عدم هتك ما لا يجوز هتكه مما اطلعت عليه بحكم المهنة من عاهةٍ أو نقصٍ أو عيبٍ خَلقي أو خُلقي، وسواء أكان هذا الهتك بإطْلاع الغير على ما عاينت، أو بإطلاع نفسك على أكثر من الحد الجائز الذي أباحته لك الضرورة الشرعية، ولعل أوضح مثال في هذا الباب ما يتعلق بكشف العورات وهذه من المصائب التي عمَّت وطمَّت، فاعلم رحمك الله أنك إذا احتجت أن تكشف علىجزء من عورة مريضتك لضرورة الفحص والشكاية لم يكن لك عذر في كشف ما عداه، وإذا كان التأمل يكفي لم يكن لك عذر في الجس، وإذا كان في التأمل والجس كفاية لم يكن لك عذر في المس، وهكذا.. وهذا صحيح في العكس - أي اطلاع الطبيبة على عورة المريض إذا تعينت الحاجة أو الضرورة - ومن المناسب أن ننبه في هذا المقام على أمرين يتعلقان بمسألة العورات؛ أحدهما تدرج إباحة الاطلاع على العورة للحاجة أو الضرورة بالنسبة للمريضة فتبدأ بالطبيبة المسلمة، فإن عدمت فالطبيبة غير المسلمة، فإن عدمت فالطبيب المسلم، فإن عدم فالطبيب غير المسلم، ما لم يفوت هذا التدرج مصلحة طبية معتبرة تعود إلى تفاوت المهارة المهنية117، وأما المسألة الثانية المتعلقة بموضوع العورات فهي مراعاة حرمة الاطلاع على العورات المغلَّظة بغض النظر عن توافق الجنسين أو اختلافهما، فعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد"118 والحقيقة أن عدم مراعاة هذا الأمر قد دفعت بكثير من الأطباء والمرضى بل وطلاب العلم إلى اقتحام ما لا يجوز اقتحامه من حرمات وعورات بحجة توافق جنس الطبيب مع المريض، مع أن الأمر ليس على إطلاقه، وكون الطبيب والمريض من جنس واحد - ذكورًا كانوا أم إناثًا - لا يبيح النظر إلى العورة - لا سيما المغلظة منها - بدون ضرورة أو حاجة تكون مُنزَّلة مَنزِلة الضرورة119، فتأمل.
ومما يتعلق بالشرع أيضًا أمانة حفظ دين المريض من حيث عدم تفويت فروضه ومصالحه الدينية لغير عذر مشروع، فلا يجوز للطبيب أن يهمل ما يترتب على الإجراء الطبي الذي يقوم به أو الخطة العلاجية التي يضعها للمريض من آثارٍ قد تُخل بعبادات المريض، بحيث يتوجب عليه أن يراعي هذه الآثار ويقلل منها قدر المستطاع، مراعيًا الموازنة بين مصلحة المريض الدنيوية في العلاج والاستشفاء ومصلحته الأخروية في القيام بواجباته الدينية، ولعلنا نفصل في هذه النقطة في الفرع السابع مما نحن بصدده الآن.
6-العفو والتسامح مع المريض:
مما لا شك فيه أن حالات المرض مظنة لصدور بعض التصرفات التي لا تصدر عن أصحابها في أحوالهم المعتادة، وإنما تقع في ظروف المرض كالشدة النفسية المرافقة لبعض الحالات الخطيرة والحرجة، أو عدم تمام الوعي في بعض الأمراض التي تؤثر على سلامة التفكير والوعي ولو بصورة عابرة أو يسيرة، وغير ذلك مما هو معلوم لدينا معاشر الأطباء، قلت: إن بعض هذه التصرفات قد تسيء إلى الطبيب إما إساءةً معنويةً كصراخٍ وكلامٍ جارحٍ أو تهمة أو حتى بذاءة في بعض الحالات، وإما إساءةً جسديةً لا سيما عند فاقد التصرف السليم لخلل عابر أو مستقر في وظائف الدماغ كالذين يعانون من بعض حالات العته أو بعض الحالات النفسية أو الأطفال الذين ربما يركلون ويعضون الطبيب أو الممرض في بعض الحالات! فلا بد للطبيب والحال كذلك من أن يراعي قدر السلامة له ولفريقه الطبي ولمريضه اتقاءً للأذى الجسدي بالدرجة الأولى، وذلك غالبًا ما يتحقق بكسب ثقة المريض والتدرج في مقاربته وتطمينه وإعلامه بكل ما يتم إجراؤه ما تيسر ذلك، وهذا كله مما يتعلمه الطبيب في دراسته وواقعه مما لا حاجة لكثير تفصيلٍ فيه، ولكني أحببت أن أنبه إلى ما يجب أن يتحلى به الطبيب المسلم من خُلُق في تعامله مع هذه الإساءات، سواءٌ أكانت متعمدة أم غير متعمدة، فهذا المريض له علينا حقوق أصيلة من جهة كونه مسلمًا فلا يَحلُّ تضييعها بحجة هذه الممارسات التي قد تصدر عنهم، ومن أجمع ما ورد في سياق تقرير حقوق المسلمين بعضهم على بعض قوله تعالى:"محمدٌ رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم"120، وقوله تعالى:"يأيها الذين آمنوا مَن يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقومٍ يحبهم ويحبونه أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين"121، وقوله تعالى موجهًا نبيه صلى الله عليه وسلم:"واخفض جناحك للمؤمنين"،122 والحاصل من هذه النصوص أن يتعامل المسلم مع أخيه المسلم بالتراحم والتذلل وخفض الجناح، وهذا كله أرض خصبة لبذور التسامح والعفو عن الخطأ والإساءة ومراعاة حال الغير حين صدور الإساءة أو الخطأ منه، ولا ينقلب الحال بينك وبين المريض إلى سِجالٍ وخِصام وأنفة وكبرياء، وقد قال أبو عبد الله الجَدَلِيَّ: سألتُ عائشة عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت:"لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخَّابًا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح"123، نعم هذا هو خُلُق نبينا صلى الله عليه وسلم، وقَمِنٌ124 بك أيها الطبيب أن تتخذه خُلُقًا ومسلكًا، وأجرك وحسابك على الله. أما خصوصيات التعامل مع المريض غير المسلم فسنفرد لها فقرة لاحقة إن شاء الله.
7-إرشاد المريض فيما يحتاجه من أمور دينه: