فهرس الكتاب

الصفحة 887 من 2255

وهذا الإطلاق غير صحيح، فالطبري وابن سعد كلاهما ثقة، أما الواقدي فهو متهم فعلا عند أهل الحديث ، إلا أن الجميع يسلم بإمامته في المغازي والسير، وكان المفروض على الكاتب وهو المؤرخ الذي يدعي المنهج التاريخي الدقيق أن يتثبت في العبارة ولا يعمم الحكم بهذا الإطلاق.إلا أن الكاتب لا يرى رأي المحدثين، ويقول: (ومعظم إسناد الواقدي من أهل الصدق والأمانة ، ولهذا فإننا ننزله منا منزل الثقة!) 44.وهو يعتمد كثيرا مغازي الواقدي ويعتبرها من أصدق مراجع السيرة، ويرى أن الواقدي مظلوم عند رجال الحديث المتأخرين، (ربما لأنه لم يتبع منهجهم في رواية كل خبر بسنده!) 45.وهذا الكلام لا يصح، فليس تضعيف الواقدي فقط لأنه لا يروي كل خبر بسنده ،وليس هذا التضعيف حكرا على رجال الحديث المتأخرين،بل تكلم فيه الأولون أيضا.قال البخاري: (متروك الحديث) 46 ، وكذا قال النسائي47.وقال ابن المديني: (ليس بموضع للرواية،وقال إسحاق بن راهويه: هو عندي ممن يضع) 48.فهؤلاء أهل الحديث المتقدمين وهذا حكمهم فيه.

وفي مقابل ذلك نجد الكاتب شديد التحامل على سيرة ابن هشام كثير النقد لها ويعتبرها شيئا آخر غير سيرة ابن إسحاق وصرح بأنه لا يكاد يعتمد عليها إلا قليلا جدا49.وذلك لكون ابن هشام أعاد صياغة سيرة ابن إسحاق وأضاف إليها وحذف منها50، مما أضر بسيرة ابن إسحاق51.وهذا الذي قاله الكاتب ودافع عنه ناشئ عن تأثره بمنهج المستشرقين،يقول الدكتور العمري: (وهناك اتجاه خاطئ عند بعض المستشرقين تابعهم فيه بعض مؤرخينا يعلي من شأن مغازي الواقدي ويقدمها على سيرة ابن إسحاق ، والحق أن سيرة ابن إسحاق أدق وأوثق وتتطابق معلوماتها مع معلومات كتب الحديث في كثير من الجوانب ) 52.

ثانيا: إنكارالأحاديث الصحيحة:

وإقدامهم على هذا الإنكار وجراءتهم عليه وتسرعهم فيه دليل على جهل فاضح بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم،وبفقه الحديث وبأقوال أهل هذا الشأن.ولعل أعظم من تولى كبر ذلك هم رواد المدرسة الإصلاحية ،وقد ردوا صحاح الأحاديث بدعوى أنها تعارض عصمة النبوة،أو لأنها تناقض العقل، أو لأنها أحاديث آحاد لا تقوم حجة في مجال العقائد.وهو بهذه السنة السيئة التي سنوها قد فتحوا الباب على مصراعيه لكل من جاء بعدهم ممن هب ودب ليتكلم في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ويرد الأحاديث الصحاح بدعاوى لا تقوم على ساق ولا يسعفها جناح،بل الأدهى من ذلك أن نبتت نابتة من بين المسلمين تنكر السنة النبوية وتنفي عنها صفة الوحي جملة وتفصيلا وتطعن في رجالها ،وتزعم بعد ذلك أن مرجعها الأول هو القرآن،وقالوا: حسبنا القرآن ، وسموا أنفسهم أو سُموا بالقرآنيين، وكذبوا ،فما أبعدهم عن القرآن وعن منزل القرآن سبحانه وتعالى الذي أمر في كثير من آياته باتباع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم واتباع سنته، وقرن طاعته بطاعته..

وفيما يأتي نماذج من الأحاديث النبوية التي أنكرها بعض المعاصرين الذين كتبوا في السيرة النبوية:

المطلب الأول:حديث سحر النبي صلى الله عليه وسلم:

إنكار هذا الحديث ليس بدعا في كتابات المعاصرين ، بل هو أمر قديم، ومن قبل قال القاضي عياض (ت 544هـ) : (اعلم وفقنا الله وإياك أن هذا الحديث صحيح متفق عليه وقد طعنت فيه الملحدة، وتذرعت به ، لسخف عقولها وتلبيسها على أمثالها إلى التشكيك في الشرع) 53.

والموقف نفسه الذي اتخذه المعتزلة قديما من هذا الحديث،اتخذه أيضا دعاة المدرسة العقلية الحديثة وفي مقدمتهم الشيخ محمد عبده الذي أنكره بدعوى أن القرآن الكريم نفى السحر عنه صلى الله عليه وسلم ،وأن الحديث على فرض صحته حديث آحاد، والآحاد لا يؤخذ بها في العقائد،وأنه إذا جاز عليه السحر لكان في ذلك إخلالا بالتبليغ54.

ومن أقطاب هذه المدرسة الذين أنكروا هذا الحديث هيكل في كتابه ( حياة محمد) يقول: ( وفي هذه الفترة تجري القصة التي تروي أن اليهود سحروا محمدا بفعل لبيد حتى كان يحسب أنه يفعل الشيء وهو لا يفعله ، وهي قصة اضطربت فيها الروايات اضطرابا شديدا يؤيد رأي القائل بأنها محض اختراع لا شيء فيها من الحق) 55.

وحبذا لو سمى لنا هيكل هذا القائل بأنها محض اختراع لنعرفه، وكيف تكون كذلك وهي مروية في أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل؟ثم أين هو الاضطراب المزعوم في الروايات ؟وكيف ينكر أن يكون لبيد بن الأعصم اليهودي سحر النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قتلت اليهود قبله زكريا ويحيى ، وقتلت الأنبياء وطبخهم وعذبتهم أنواع العذاب،وسمت اليهودية رسول الله صلى الله عليه وسلمفي ذراع شاة مشوية.والسحر أيسر خطبا من القتل والطبخ والتعذيب؟56 .

وممن أنكر هذا الحديث من المعاصرين أيضا حسين مؤنس في كتابه ( دراسات في السيرة النبوية) ، فهو لا يرى ضرورة للقول بأن محمدا قد سحر، ويعتبر الأمر مجرد حالة مرضية لم يشخصها أحد ، نزلت بالرسول وشفي منها.يقول في ذلك: (وفي معرض الكلام عن صحة رسول الله صلى الله عليه وسلم نقول دون أن ندخل في تفاصيل تهم الفقهاء وأهل الحديث وحدهم: إن الرسول صلى الله عليه وسلم نزلت به في أوائل السنة السادسة للهجرة نازلة مرض ، وقد يكون شكا من بعض الحمى فنسبها الناس إلى السحر ثم أبل من مرضه هذا وعاد يتابع نشاطه المعروف) 57.

وممن سلك مسلك الإنكار أيضا هاشم معروف الحسيني في كتابه (سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم نظرة جديدة) ، وزاد فادعى أن الحديث من موضوعات المنافقين أو الصحابة بقصد التشكيك في رسالة محمد وحتى في القرآن الكريم لأنه إذا جاز على النبي صلى الله عليه وسلم أن يصبح في مرحلة يخيل إليه أنه يقول ويفعل بدون وعي ولا تفكير يجوز عليه أن يقول ما لم يقله)58.

وليس مستغربا من رافضي مثل صاحب الكتاب أن يطعن في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم،ويتهمهم بوضع الحديث.

والحديث الذي رده هؤلاء مروي في صحيح البخاري59من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ( سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة وهو عندي لكنه دعا ودعا ثم قال يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه أتاني رجلان فقعد أحدهما ثم رأسي والآخر ثم رجلي فقال أحدهما لصاحبه ما وجع الرجل فقال مطبوب قال من طبه قال لبيد بن الأعصم قال في أي شيء قال في مشط ومشاطة وجف طلع نخلة ذكر قال وأين هو قال في بئر ذروان فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس من أصحابه فجاء فقال يا عائشة كأن ماءها نقاعة الحناء أو كأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين قلت يا رسول الله أفلا استخرجته قال قد عافاني الله فكرهت أن أثور على الناس فيه شرا فأمر بها فدفنت) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت