فهرس الكتاب
النكاح رابع: يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها،وهن البغايا،كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علمًا، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها، ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به، ودعي ابنه، لا يمتنع من ذلك، فلما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم بالحق هدم نكاح أهل الجاهلية كله إلا نكاح الإسلام اليوم , وهو النوع الأول. (1)
ونكاح خامس كان بالإرث: كانوا إذا مات الرجل وترك امرأته, ورثها ابنه الأكبر بعد موته بلا صداق, فإذا كان الولد الأكبر لا يريد الزواج به, أي لا يرغب فيها زوجها بعض إخوانه, وإذا لم يريدوا زواجها غيرهم زوجوها وأخذوا صداقها أو عضلوها حتى تفتدي بما ورثته أو تموت فيرثوها. فجاء الإسلام ونهى عن هذا الفعل الإجرامي:
? يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ? ? ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ? (1) تأمل في هذا التنظيف, أيها اللبيب ! تدرك أن الإسلام هو الذي حرر المرأة وشرفها, ولا حرمها ولا حقرها.
فالحرمان حيث كانت تحرم من جميع حقوقها, كما كان أهل الجاهلية يفعلون.
والتحقير والإهانة -كما هو الشأن في الغرب- حيث صارت المرأة ألعوبة تتناقلها الأيدي, وبضاعة تختار بالذوق والتشهي, وآلة لقضاء اللذات والتسلي؛ عارية عن حرمتها, وحشمتها, وعفتها,وكرامتها, وحصانتها التي كانت لها, والأطم أن أقصيت بعيدا عن مهنتها الشريفة, وهي مهنة صنع الأجيال. كل ذلك, وأوهموها أنهم حرروها, بل ضيعوها.
فالمرأة نفيسة وضعيفة. والنفيس يحفظ, والضعيف يمنع. (خيركم خيركم للنساء) (استوصوا بالنساء خيرا)
وقومه في الجاهلية كانت روح الفوقية والطبقية قوية في نفوسهم, وهو؛ مع أنه كان من أنسبهم, كان يجالس الموالي والعبيد بلا ترفع أو حرج.
وكان يربي جميع أتباعه على المساواة والأخوة في الدين.
مرّ به الملأ من قريش يوما من الأيام, وعنده صهيب وبلال وعمار وخباب وغيرهم, من ضعفاء المسلمين, فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك ؟
أهؤلاء الذين مَنّ الله عليهم من بيننا ؟
أنحن نصير تبعًا لهؤلاء ؟
اطردهم فلعلك إن طردتهم أن نتبعك, فنهاه ربه عن طردهم: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين } (2) رغم أنه صلى الله عليه وسلم كان حريصا على أن يستجيب قومه لدعوته, لكن على الحق.
وكذلك هو الذي محا العصبية الجاهلية من نفوس هؤلاء الذين كانوا كما ترى؛ حتى انمحت بالكلية.
ويوما حدث شيء -وهو طبيعي- بين بلال الحبشي الأسود, وأبي ذر الغفاري, فقال له أبو ذر: يا ابن السوداء !
فشكاه بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فغضب النبي غضبا شديدا, ولما جاء أبو ذر عاتبه, وقال له:"أعيرته بأمه ؟, إنك امرؤ فيك جاهلية (1) "، فتأثر أبو ذر بموقف النبي صلى الله عليه وسلم تؤثرا شديدا, وتحسَّر وندم كثيرا، وقال: وددت -والله- لو ضرب عنقي بالسيف، وما سمعت ذلك من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
ووضع خده على التراب ثم قال: يا بلال؛ ضع قدمك على خدي، لا أرفعه حتى تضعه، فذرفت عينا بلال الدموع، وقال: يغفر الله لك يا أبا ذر، والله ما كنت لأضع قدمي على جبهة سجدت لله رب العالمين، ويتعانقان ويبكيان, وقد ذهب ما في القلوب.
وكان أبو ذر الغفاري رضي الله عنه يُلبس خادمه ويُطعمه ويُسكنه من نفس ما يلبس ويطعم ويسكن.
? يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ? {الحجرات: } (يا أيها الناس إن ربكم واحد, ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا عجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى(2 ) ) ( إن الله أوحى إلي: أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد و لا يبغي أحد على أحد(3) )
أين كان مدعي"الحرية"و"المساواة"في هذا الوقت ؟
رأيناهم بعد ذلك بقرون, متوغلين في أقصى غابات أفريقيا؛ بحثا عن"عبيد"يأخذونهم قهرا من أوطانهم ليبيعوهم في الأسواق. وهؤلاء الذين كانوا -بالأمس القريب- يبيعون ويشترون, لما امتصوا الدماء حتى ارتووا, أفاقوا يعلموننا اليوم"الحرية"و"المساواة"
فالنبي صلى الله عليه وسلم رقي بهؤلاء إلى الكمال, فكانوا خير أمة أخرجت للناس, بعد أن كانوا في أسفل السافلين.
وما فارق الحياة الدنيا إلا وقد علمهم جميع محاسن الدنيا والآخرة, وما ترك أمرا من أمور حياتهم إلا وأدبهم أدبه على أكمله وأحسنه.
فمن الآداب التي علمهم عند قضاء الحاجة: التعوذ بالله من الشر الموجود في هذه الأماكن؛ لأنها أماكن يسكنها الشياطين, والإنسان يخلو فيها, فكان بحاجة إلى عصمة الله له من كل شر في هذه الأماكن.
الأدب الثاني: أن يقدم رجله اليسرى عندما يدخل في هذه الأماكن, لأنها أماكن النجاسات والأقذار, فناسب أن يدخل بالرجل اليسرى لأنها دون اليمنى في الفضل.
الثالث: عندما يقضي حاجته أن لا يستقبل أو يستدبر القبلة التي يستقبلها في صلاته, لأنها جهة الكعبة المشرفة التي يخصصها لصلواته, ولذا عندما يكون في مثل هذا الحال لا يحسن منه أن يستقبلها كما يفعل في الصلاة, وهذا من مظاهر الاحترام.
الرابع: الاستنجاء بالماء أو الحجر أو ما هو في معنى مما ينقي كالمنديل مثلا. ولعلك تقول: كيف يتنظف إنسان من الحجار ؟
وسأقول لك: هذا من يسر الشريعة الإسلامية ومرونته, فإنها لو حصر التنقية في الماء دون غيره لكان فيه حرج على من يعز عندهم الماء مثل سكان البادية, أو من لا يجده بالكلية. وتعلم أن بين الماء والحجر أشياء كثيرة يمكن التنظيف بها, فكل ما استعمل منها فحسن؛ إلا العظم والروث.
وكذا نهاه أن لا يستعمل يده اليمنى لإزالة النجاسة, لأن اليد اليمنى خصصت للأمور المحترمة؛ كالمصافحة والأكل وغير ذلك.
الخامس: أن من كان في الغابة مثلا, أو الصحراء يختلف عمن هو في العمران, فأمر كلا منهما بما يناسبه ليستر عورته, لأن الإسلام يحافظ على كرامة الإنسان مهما كان, ولذا أمر من كان في مكان فيه أشجار أن يستتر بشجرة عن الأنظار؛ لكن وجَّهه بتوجيه آخر, هو أن لا يقضي حاجته تحت شجر مثمرة؛ لأن الناس كثيرا ما يقصدون هذه الشجر للانتفاع بها, ولا تحت شجرة مظلة؛ يقصدها الناس للاستظلال بظلها.
وكذلك أمر من كان في الصحراء أن يستر عورته؛ بالإبعاد عن الأنظار, وأن لا يرفع ثوبه حتى بدنو من الأرض.
السادس: أن لا يقضي حاجته في طريق الناس. واعلم أن ذلك إذا كان عندك من أبعد الأمور, فغيرك ممن يعيش في أمكنة تختلف كل الاختلاف عن مكان عيشك, قد يقع منهم هذا الأمر, فهم بحاجة إلى مثل هذه التعاليم. لأن الإسلام دين جميع الناس, وجميع الأمكنة.
وهذا النهي ليس خاصا بالطريق فحسب, وكذلك كل مكان يعتاده الناس, وليس خاصا لقضاء الحاجة؛ كما تقدم في الشجرة المثمرة والمظلة.
السابع: أمره إذا فرغ من قضاء حاجته وخرج أن يقول:"غفرانك"وهذا سؤال من الله المغفرة, لأن النجاسة نوعان: حسية, ومعنوية. فإنه لما تطهر وتخلى عن النجاسة الحسية فكر في نجاسته المعنوية التي هي ذنوبه وسيئاته, فسأل الله أن يطهره منها كما يسر له التطهر من الحسية, فكان هذا تناسبا حسنا.