وسنرى في المشهد أيضًا بعض القادة الذين يحيلون قضية إعداد التصورات لمواجهة احتياجات الحاضر ومواجهة المستقبل إلى غيرهم من المفكرين، فإذا ما قدمت إليهم لم يفهموا مضمونها ولا اللغة التي كتبت بها. ثم يمارسون ما كانوا يمارسونه في الماضي دون وعي بما قُدِم لهم من جهد. وتدور الأحداث دورتها، وتعود الانكسارات في كل مرة يتحركون فيها.
وهناك الكثيرون الذين لا يحفظون من التجارب والنماذج التاريخية الناجحة سوى سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرة عمر بن عبد العزيز والناصر صلاح الدين الأيوبي. ويعقب هذه التجارب فراغ معرفي كامل.
وسنجد في الساحة كثيرًا من العاملين في مشروع النهضة الذين لا يريدون تحمل أي نوع من المخاطر، وإنما يريدون نجاحًا وإنجازًا باردًا مبردًا لا عوج فيه ولا أمتًا. فهم محجمون عن أي مبادرة أو فعل حقيقي لاعتقادهم بوجوب تحمل غيرهم التكاليف، أما هم فلم يحن دورهم بعد. فلصعوبة الأوضاع ووطأتها الشديدة فإقدامهم غير وارد، وصبرهم طويل، ولا يدري هؤلاء أن"الغُنْم بالغُرْم"وأن كل العظماء تحملوا وأقدموا حين أحجم الآخرون، وعم المثل القائل:"ما فاز باللذة إلا الجسور". وهكذا تتم حراسة فكرة الإحجام عن العمل بمجموعة مقولات عن الحكمة والروية، فأين هي تلك الحكمة؟؟!!
رفع الواقع
تقوم معادلة النصر على"أولي الأيدي والأبصار"
استعرض هذه الأسئلة. ثم اعرضها على من تعرف من العاملين والمؤمنين والمتحمسين في المشروع الإسلامي واستعرض إجاباتهم. ثم حدد مكان وأهمية ونوعية دراسة التاريخ في عقول العاملين من خلال هذه الإجابات.
17.كم كتابًا في التاريخ تقرأ في العام؟
18.ما هي نوعية الكتب التاريخية التي تقرؤها؟ (ارسم خارطة توضح نوعية الكتب التي تقرؤها)
19.هل تقرأ في التاريخ بعمومه وتطلع على التجارب البشرية المختلفة أم أنك لا تقرأ سوى بعضًا من التاريخ الإسلامي وبعضًا من سِيَر الصحابة والتابعين؟
20.كيف تقرأ كتب التاريخ أو التجارب التاريخية؟ وما هي الجوانب التي تركز عليها؟
21.ما هي أهمية دراسة التاريخ؟
بمثل هذه الأسئلة تعرف نموك العقلي في صناعة النهضة، ووعيك في مرحلة اليقظة. فإن لم تكن من المجدين في النظر فيقينًا ليس عندك إلحاح السؤال الضروري لبناء الوعي. ومهما علت عاطفتك فهي وحدها لا تكفي، لأن معادلة النصر تقوم على"أولي الأيدي والأبصار". أي من يمتلكون القدرة التنفيذية مع الرؤية وبعد النظر.
نقطة البدء
إن إطلاق القوى الكامنة داخل هذه الجموع الملتفة حول الإسلام يحتاج إلى قادة.. فكيف نعدهم؟؟!!
استعرضنا في المشهد السابق قضية التخلف. ومما لاشك فيه أن انتشال الأمة من هذا التخلف الذي يحجب خيوط الفجر - الذي بدت تباشيره - عن عيوننا يحتاج إلى قادة.
إن إطلاق الطاقة الكامنة داخل هذه الجموع الملتفة حول الإسلام يحتاج إلى قادة.. فكيف نعد هؤلاء القادة ونجهزهم لتحمل هذه المسئوليات؟؟
نعتقد أن ما يحتاجه القادة كثير، ولكننا سنركز في هذا المشهد على موضوع واحد، وهو أهمية وجود قاعدة تاريخية صلبة لدى قادة المستقبل.
العاملون ودراسة التاريخ
ليس التاريخ هو الماضي، ولكنه قاعدة الحاضر وانعكاس كليهما على المستقبل
من لم يكن له نصيب وافر من تجربة البشرية فهو يبدأ من الطفولة البشرية.. أي من الصفر
يعتقد الكثيرون أن دراسة التاريخ90 هي دراسة الماضي. ولكن التاريخ ليس هو الماضي. إنه قاعدة الحاضر. كما أنه انعكاس كليهما على المستقبل. فمن لم يكن له تاريخ أو نصيب وافر من تجربة البشرية فهو في عناء كبير، وفي جهل فاضح. لأنه يبدأ من الطفولة البشرية. أي أنه يبدأ من الصفر.
والنظر إلى التاريخ عمل عقلي يحتاج إلى جهد من القادة. إلا أن العطالة العقلية - التي أشرنا إليها من قبل - والسائدة في مجتمعاتنا جعلت كثيرًا من العاملين لا يروْن من الإسلام إلا جانبه الهين اللين. ولكن عندما يحتاج الأمر إلى بحث ونظر وتصور وعمل جاد في مواجهة الواقع، ينكفئ الكثيرون إلى ممارسات ضيقة، ويبتعدون عن هذا المجال الشاق. وكما أن الأمة بحاجة إلى الإيمان والإخلاص والعبادة والصلاة، فهي بحاجة لعقل راجح يوجه حركتها، ولعمل دءوب يجيب على أسئلة الواقع وعلى تناقضاته.
وهنا لابد من الإشارة إلى أمر هام وهو أن كثيرًا من العاملين في ساحة المشروع الإسلامي لنهضة الأمة لا يعدون العمل العقلي عملًا حقيقيًا. بل ويعتقدون أنه بإمكان أي مجموعة أن تتجاوزه وتنجح في تحقيق أهدافها. بينما على الطرف النقيض يظن آخرون أن العمل العقلي وحده كفيل بالنجاح، وإن لم يكن بلسان المقال فبلسان الحال. وكلا الطرفين ذميم.
طرق تفكير القادة
نعود مرةً أخرى لموضوع إعداد القادة عقليًا في مجال التاريخ، لننقل ما قاله جون بيريه في كتابه"الذكاء والقيم المعنوية في الحرب". فهو يقول:".. ويحدد القائد بفكره ثلاثة مواقف ويتبع ثلاث طرق في التفكير: الأولى طريق المنظِّر الذي يمعن الفكر في التجارب، ويستخرج منها قواعد عامة، ويشترك في إعداد التصورات..".
يتبع القائد ثلاث طرق للتفكير: طريقة المنظر.. وطريقة الطبيب.. وطريقة رجل الأعمال
إذا اكتفى العاملون بالتنظير وإعداد التصورات دون الدخول في المخاطر المحسوبة أصيبوا بالشلل التحليلي
وتثير هذه المقولة الكثير من التساؤلات حول قادة المشروع المعاصرين ورصيدهم من العلم بالتجارب التاريخية، وحول مدى قدرتهم على استخلاص القواعد العامة. كما أنها تثير سؤالًا آخر حول كم القادة الذين يحيلون قضية إعداد التصورات لمواجهة احتياجات الحاضر ومواجهة المستقبل إلى غيرهم من المفكرين، فإذا ما قدمت إليهم لم يفهموا مضمونها ولا اللغة التي كتبت بها. ثم يمارسون ما كانوا يمارسونه في الماضي. وهكذا يعيد التاريخ نفسه، وتدور الأحداث دورتها، وتعود الانكسارات في كل مرة يتحركون فيها، إذ أنهم يكررون تجاربهم السابقة دون وعي بمتطلبات الحاضر والمستقبل.
وهكذا فلابد من إعداد القائد ليلعب دور المنظِّر الذي يمعن الفكر في التجارب، ويستخرج منها قواعد عامة، ويشترك في إعداد التصورات. فهذه هي أول الوظائف الفكرية التي يجب تدريب وإعداد القائد عليها.
ثم يتبع جون بيريه بقوله:".. إن القائد له طريق الطبيب، الذي يحلل ويناقش، ويوازن المعطيات في حالة خاصة محددة..".
ففي كل يوم تُستجد ظروف، وتُطرح قضايا، وتُثار أسئلة، وتُواجه وقائع جديدة، ويحتاج القائد لمواجهتها أن يحلل حالة خاصة في وضع خاص وتحت ظروف خاصة، فلابد أن يمتلك هذه القدرة على المناقشة والتحليل والموازنة. وتدريب القادة على اتباع هذه الطريقة يحتاج إلى الكثير من العمل.
أما الأمر الثالث والهام عند جون بيريه فيتضح في قوله:".. وطريق رجل الأعمال الذي يستنتج ويقرر وينفذ..".
إذ أن طريق التنظير والقراءة وإعداد التصورات، وطريق التحليل والمناقشة وعمل الموازنات إذا توقف عند هذا الحد يصاب الإنسان بالشلل التحليلي91. فلابد من استكمال هذين العنصرين بعنصر ثالث وهو عنصر
كثير من العاملين يريدون نجاحًا باردًا ميسورًا دون الدخول في معادلة المخاطر المحسوبة
المبادرة وقبول تحمل المخاطر المحسوبة calculated صلى الله عليه وسلم isk )) .