لماذا المرور السريع في سرد الحضارات القديمة؟؟!!
ولماذا التشعب والتوسع في سرد حضارات بلاد الإغريق وروما؟؟!!
ولماذا تم اختزال فترة العصور الوسطى ثم التوسع في العصور الحديثة؟؟!!
ويمكن إجمال الأسباب التي دعت المؤرخين الأوروبيين إلى تناول وعرض التاريخ بهذه الطريقة فيما يلي:
* أن تقزيم دور الحضارات المشرقية في زاوية صغيرة من كتاب التاريخ - عند صناعة العقل الأوروبي - يجعل فترة روما والإغريق تأخذ بعدًا أكبر. وبالتالي تُهمَّش أدوار الحضارات الأخرى، فيصبح التاريخ البشري كله قبل روما وقبل اليونان - في العقل الأوروبي -هو فترة قليلة في الوجدان.
تضخيم المؤرخين لفترة اليونان والإغريق يغرس في الشعور أن إنجازاتهما هي أم التراث الإنساني. وهذا من قبيل البعث النفسي لشعوبهم
* أن التضخيم لفترة اليونان والرومان وإنجازاتها يغرس في الشعور والعقول أن إنجازات الإغريق والرومان هي أم التراث الإنساني. وهذا من قبيل البعث النفسي للشعوب الأوروبية.
* أن تقزيم واختزال وتهميش فترة العصور الوسطى (عصور الظلام في العقل الأوروبي) وبيزنطة - وهي تقرب من عشرة قرون سادت فيها الحضارة الإسلامية وحضارات أخرى - رغم أنها الأطول في التاريخ الأوروبي يشعر القارئ والطالب الأوروبي أن أوروبا كانت باستمرار مهد الحضارة. وأن الذكاء الأوروبي هو أمر ممتد منذ القدم وحتى زوال الكون.
* الانتقال المباشر إلى عصر النهضة والعصور الحديثة والإشادة بهما لأنهما يمثلان العصر الأوروبي المجيد.
* ثم يتم التوسع في التاريخ الأوروبي المعاصر الذي يمثل قمة البعث النفسي والعظمة والمجد الأوروبييْن.
وبذلك أسقط المؤرخون الأوروبيون الحضارات القديمة بضربة فنية، وأسقطوا الحضارة الإسلامية التي امتدت عشرة قرون متواصلة بضربة فنية أخرى، وجعلوا تاريخ العالم يبدو خطًا غير منقطع للتاريخ الأوروبي، فيعيدون بذلك تشكيل عقلية الطالب الأوروبي لاستقبال هذه المعلومة، وعندها لا يتبقى في عقليته إلا عظمة اليونان والرومان، واتصال ذلك بعظمة أوروبا الحالية و يسقط ما بينها من فجوات أو تساؤلات.
فإذا نظر الطالب إلى هذه الحضارة الممتدة العظيمة، رآها في القمة دائمًا وعلى مر العصور، فهي لابد أن تسود وأن تهيمن. بينما العالم الآخر - في عينيه - لابد وأن يكون مهيَمنًا عليه.
وهكذا فإن استخدام التاريخ بهذه الطريقة هو استخدام في مجال الصراع، وليس استخدامًا محايدًا للتاريخ92.
إن استخدام التاريخ بهذه الطريقة الغربية ليس استخدامًا محايدًا وإنما هو في صميم مجال الصراع
لكل أمة تاريخان: كبير يرفع الروح المعنوية، وصغير يخفض الروح المعنوية
التاريخ أداة لخفض الروح المعنوية
وهنا لابد من الإشارة إلى أمر هام، وهو أن التاريخ إذا كان يستخدم كأداة لرفع الروح المعنوية - لو كان المقصود بناء أمة - فهو يستخدم أيضًا لتشويه الأمم وخفض روحها المعنوية - لو كان المقصود هدم أمة. فلو كان المراد هو بناء الأمة يتم استعراض تاريخ الإنجازات في الفتوحات والتقدم والتوسع الحضاري والتاريخ العلمي وتاريخ الإنجازات التطبيقية في مجالات العلوم وغيرها وهو ما يسمى بالتاريخ الكبير. أما إذا كان المراد تشويه سمعة أمة أخرى فيتم استعراض تاريخ القصور والصراعات التي كانت على الحكم, وأحوال الملوك ورجال ونساء البلاط وهو ما يسمى بالتاريخ الصغير، ويتم تجاهل التاريخ الكبير تمامًا.
إذاًَ هناك تاريخ كبير يرفع من معنويات أي أمة، وهناك تاريخ صغير يمكن أن يحط من قدر أي أمة. فإذا افترضنا أن التاريخ ليس أداة محايدة تُذكر فيها كل الإيجابيات والسلبيات - وذلك لا يحصل في الغالب - إنما يستخدم التاريخ في كثير من الأحيان كتاريخ وظيفي؛ بمعنى أنه يستخدم لتعزيز قوة ومنعة أمة ما وحصانتها وإحساسها بهويتها، فإذا وجدت في مجتمعاتنا من يشتغلون بالتاريخ الصغير وينسون تاريخ الفتوحات وتاريخ العظماء والمبدعين في الأمة فاعلم أنهم يعملون لصالح مشروع آخر. هذه حقيقة لا يجادل فيها إلا من لا يعرف نوعية الدراسات التاريخية التي تقدم، وكيف يقدم التاريخ وكيف يستخدم.
التاريخ الكبير
التاريخ الصغير
لرفع الروح المعنوية
لخفض الروح المعنوية
أنواع التاريخ
ما هي المساحة المطلوب دراستها في الحد الأدنى؟؟
يحتاج المسلم إلى خارطة معرفية جيدة تضم التجارب التاريخية الإسلامية وغير الإسلامية.. السالبة والموجبة
ما يجب أن يدرسه طلاب النهضة
نعود لنقرر أننا يجب أن نحدد المساحة التي يحتاجها قائد النهضة من التاريخ. فمما لاشك فيه أنه لا يوجد الوقت الذي يستطيع فيه الإنسان أن يقرأ كل شيء، فما الذي سننتقيه من التجارب لتتم دراسته؟ وكيف ندرب طلاب النهضة على الدراسة المنهجية لهذه التجارب؟
إن الحد الأدنى الذي يحتاجه القائد هو دراسة شيء من نهضات الأمم في الشرق وفي الغرب. وليبدأ بتاريخ أمته. فليبدأ بدراسة السيرة النبوية ودراسة التاريخ الإسلامي. وهذه الدراسة تلعب دورًا كبيرًا في تأطير الفكر الإسلامي النهضوي.
ثم ليدرس تاريخ الصين، وتاريخ الثورة الفرنسية قبل وأثناء وبعد قيامها، وتاريخ بريطانيا، وتاريخ اليابان، وتاريخ ماليزيا، وربما يحتاج الإنسان أن يقرأ تاريخ قارة أمريكا الجنوبية إذ أن كثيرًا من المسلمين يعتقدون أن ظاهرة الهيمنة وظاهرة الاحتقار وظاهرة الأذى تقع على المسلمين وحدهم، وينسون أن شعوبًا مسيحية ممتدة في أمريكا الجنوبية تعاني مما يعاني منه المسلمون. وفي ذلك توسيع للآفاق، في نظرة إنسانية شاملة، تبحث عن العدل والإنصاف، وليس عن الاستعلاء لسبب أو لآخر، لقول الله سبحانه وتعالى:"قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم"93، وقوله:"وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين"94. إن قضية الاستعلاء والاستكبار تشمل البشرية، وإن التحرير يجب ألا ينصب على تحرير المسلمين وحدهم، بل على تحرير البشرية من الظلم، وبعدها للبشرية أن تختار، وللناس أن يختاروا عقائدهم وأديانهم كما يشاءون، ولكن على قاعدة سواء من العدل تشمل جميع الناس مسلمهم وكافرهم.
لابد من الدراسة المتأنية العميقة لتجارب ما قبل الدولة وما بعد الدولة
إذًا يحتاج الإنسان إلى خارطة معرفية جيدة على الأقل في هذه المساحات التي تحدثنا عنها. كما أننا نحتاج إلى دراسة الفرق الإسلامية دراسة متمعنة في معطياتها العامة، وفي أثر الواقع عليها، وفي قيادتها، وفي إدارتها، وفي اختيار شرائحها، وفي الخطاب الذي تترست به، وفي التمويل، وفي التأمينات، وفي السياسات، وفي أطروحاتها الشرعية، وفي التوقيت، وفي الصبر والحكمة والأناة فيها، وفي الاستراتيجية والتكتيك، وفي الإشكاليات التي واجهتها، سواء كانت هذه التجارب ناجحة أو فاشلة. إن دراسة بهذا المعنى الذي ذكرناه تثري عقلية القائد وتضع له نماذج كثيرة ومتعددة يستطيع أن يلجأ إليها.
وحسبك أن تقرأ في التجارب الناجحة التجربة العباسية قبل التمكين، لترى عظم الثروة التي قد تتاح عند دراسة التجارب التاريخية بشكل مختلف وبطريقة مختلفة.
ويلزم القائد أن تكون له خارطة مبسطة لا تزيد عن صفحة واحدة لتاريخ أمته بحيث يستطيع أن ينسب كل المعلومات الأخرى التي ترد إليه إلى هذه الخارطة الصغيرة الموجودة في ذهنه. وسوف نتحدث عن هذه الخارطة التاريخية في كتاب منفصل بإذن الله.
كيفية تناول التجارب التاريخية
السؤال الذي يتلو ذلك: ما هي نوعية الدراسات التي يجب أن نضعها في القضية التاريخية ونقترحها على القادة؟