وقال أبو حنيفة رحمه الله إذا شهد أحدهما بطلقة والآخر باثنتين لم يحكم بشيء لعدم حصول النصاب في شهادة منهما فلو شهد أحدهما ببائنة والآخر برجعية ضمت الشهادتان لأن الاختلاف ها هنا إنما هو في الصفة قال الأصل واعتمد الأصحاب في الفرق المذكور بين الأقوال والأفعال على أن الأقوال يمكن تكررها ويكون الثاني خبرا عن الأول والأفعال لا يمكن تكررها إلا مع التعدد وقاعدة أن الأصل في الاستعمال الإنشاء وتجديد المعاني بتجدد الاستعمالات لأنه مقصود الوضع حتى يدل دليل على التأكيد وإن كانت مقتضى عدم ضم الأقوال
والأفعال لعدم وجود نصاب الشهادة في لفظ واحد منهما إلا أنه قد عارض هذه القاعدة قاعدة أخرى وهي أن أصل قولنا أنت طالق وأنت حر الخبر عن وقوع الطلاق والعتق قبل زمن النطق وكذلك بعت واشتريت وسائر صيغ العقود فإذا أجمعنا على أن القول الأول في المرة الأولى الذي في شهادة الشاهد الأول محمول على الإنشاء لا على الخبر ضرورة القضاء فيه بالطلاق والعتاق ولو كان المعتبر فيه الخبر دون الإنشاء أو أنه متردد بينهما على السواء لم يقض بطلاق ولا بعتاق ألبتة كما نفعله في جميع الألفاظ المترددة كان القول الثاني في المرة الثانية الذي في شهادة الشاهد الآخر صالحا للإخبار والإنشاء لأنه إنما ينصرف عن أصله الذي هو الخبر إلى إنشاء هذه المعاني واستحداثها بالقرائن أو النقل العرفي وشهادتهما بالقرائن شهادة بقول يصلح لهما فيحمل على الإخبار عملا بقاعدة ترجيح الأصل الذي هو الخبر والحمل على الأصل أولى ولذلك شبهه الأصحاب بما لو أقر بمال في مجالس فإنه لا يتعدد عليه ما أقر به أي لاحتمال تكرر الإقرار بمال واحد مع أن الأصل براءة الذمة من الزائد