بل ذكر تلك الأصناف كلها علم أنه قصد بكل واحد منها التنبيه على ما في معناه فنبه بالبر على قوت الرفاهية وبالشعير على قوت الشدة من أصناف الحبوب المدخرة وبالتمر على المقتات من الحلاوات المدخرة كالزبيب والعسل والسكر وبالملح على مصالح الأقوات من جميع التوابل المدخرة لإصلاح الطعام وأنه قصد ما يجمعها من الاقتيات والادخار لا الطعم وحده فلذا زاد مالك على الطعم صفة واحدة وهو الادخار كما في الموطإ أو صنفين وهما الادخار والاقتيات كما في غيره واختاره جميع البغداديين وأما رابعها فلأن الشرف لما كان يقتضي كثرة الشروط وتمييزه على الخسيس ألا ترى تمييز النكاح عن ملك اليمين بالشروط كالولي والشهود والصداق والإعلان وإن الملوك لا تكثر الحراس إلا على الخزائن النفيسة فكلما عظم شرف الشيء عظم خطره عقلا وشرعا وعادة وكان للطعام مزية على غيره وللمقتات منه شرف على غير المقتات لعظم مصلحته في نوع الإنسان وغيره من الحيوان إذ هو سبب بقاء الأبنية الشريفة لطاعة الله تعالى مع طول الأزمان ناسب ذلك للصون عن الضياع بأن لا يبذل الكثير بالقليل فيضيع الزائد من غير عوض وإنما جاز التفاضل في الجنسين وإهدار الزائد لمكان الحاجة في تحصيل المفقود وامتنع النساء إظهارا لشرف الطعام وأما خامسها فلأن التعليل بالكيل وإن كان طرديا إلا أنه يقدم عليه المناسب نعم قال الحفيد في البداية إذا تؤمل الأمر من طريق المعنى ظهر والله أعلم أن علة الحنفية أولى العلل وذلك أنه يظهر من الشرع أن المقصود بتحريم الربا إنما هو لمكان الغبن الكثير الذي فيه وأن العدل في المعاملات إنما هو مقاربة التساوي ولذلك لما عسر إدراك التساوي في الأشياء المختلفة الذوات جعل الدينار والدرهم لتقويمها أعني تقديرها ولما كانت الأشياء المختلفة الذوات أعني غير الموزونة والمكيلة العدل فيها إنما هو في وجود النسبة أعني أن تكون نسبة قيمة أحد الشيئين إلى جنسه نسبة قيمة الشيء الآخر