والثاني قصة ابني آدم إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ثم قال إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ولم يدفعه عن نفسه لما أراد قتله وعلى ذلك اعتمد عثمان رضي الله عنه على أحد الأقوال ووافقنا الشافعي رضي الله تعالى عنه في أنه لا يضمن الفحل الصائل والمجنون والصغير وقال أبو حنيفة يباح له الدفع ويضمن واتفقوا على أنه لا يضمن إذا كان آدميا بالغا عاقلا
لنا وجوه الأول الأصل عدم الضمان الثاني القياس على الآدمي الثالث القياس على الدابة المعروفة بالأذى أنها تقتل ولا تضمن إجماعا ولا يلزمنا إذا غصبه فصال عليه لأنه ضمن هنالك بالغصب لا بالدفع وإلا إذا اضطر له لجوع فأكله فإنه يضمن لأن الجوع القاتل في نفس الجائع لا في نفس الصائل والقتل بالصيال من جهة الصائل وأما ما احتج به الأحناف من الوجوه الثلاثة
فالأول أن مدرك عدم الضمان إنما يكون هو إذن المالك لا جواز الفعل لأنه لو أذن له في قتل عبده لم يضمن ولو أكله لمجاعة ضمنه وجوابه أن الضمان يتوقف على عدم جواز الفعل بدليل أن العبد إذا صال على محرم لم يضمنه أو صال على العبد سيده فقتله العبد والأب على ابنه فقتله ابنه لا يضمنون لجواز الفعل
والثاني أن الآدمي له قصد واختيار فلذلك لم يضمن والبهيمة لا اختيار لها لأنه لو حفر بئرا فطرح إنسان فيها لم يضمنه ولو طرحت بهيمة نفسها فيها ضمنت وجناية العبد تتعلق برقبته وجناية البهيمة لا تتعلق برقبتها وجوابه أن البهيمة لها اختيار اعتبره الشرع لأن الكلب لو استرسل بنفسه لم يؤكل صيده والبعير الشارد يصير حكمه حكم الصيد على أصلهم وإن فتح قفصا فيه طائر فقعد الطائر ساعة ثم طار لا يضمن لأنه طار باختياره
وأما قولهم في الآدمي لو طرح نفسه في البئر لم يضمن بخلاف البهيمة فيلزمهم أنه لو نصب شبكة فوقعت فيها بهيمة لم يضمنها لأنها لم تختر ذلك وأنه لم يختره