فهرس الكتاب
أن يطلب الداعي من الله تعالى المستحيلات العقلية التي لا تخل بجلال الربوبية كأن يطلب من الله تعالى أن يجعله في مكانين متباعدين في زمن واحد ليكون مطلعا على أحوال الإقليمين أو يطلب منه تعالى الاستغناء في ذاته عن الأعراض ليسلم طول عمره من الآلام والأسقام والأنكاد والمخاوف وغير ذلك من البلايا فهذا أيضا من المستحيل عقلا لكن عند من لا يجوز العرو عن الأعراض لا عند من يجوزه فافهم ادعى الأصل تحريمه مطلقا نظرا لكونه سوء أدب على الله تعالى من جهة أن الملوك لا يطلب منهم إلا ما يعلم أنه في قدرتهم وإلا فقد عرضهم للعجز لا سيما والعبد مأمور أن لا يطلب إلا ما يتصور وقوعه لئلا يكون متهكما بالربوبية ا ه وتعقبه ابن الشاط بأن ما قاله من تحريم الدعاء بالكون في مكانين في زمن واحد وأن العبد مأمور أن لا يطلب إلا ما يتصور وقوعه وأنه يلزم من طلب ما لا يتصور وقوعه التهكم بالربوبية لا وجه لشيء من ذلك إلا القياس على الملوك وهو فاسد لجواز العجز عليهم وامتناعه عليه تعالى
قال وما باله يقيسه
تعالى عليهم في قصد التعجيز والتهكم ولا يقيسه عليهم في قصد المبالغة والغلو في التعظيم والتفخيم فقد خوطب الملوك بنسبة المستحيلات العقلية والعادية إليهم على وجه الغلو في ترفيقهم لا على قصد تعجيزهم بل لقائل أن يقول من خاطب الله تعالى بمثل ذلك تعين إما أن يكون قاصدا للمبالغة في التعظيم كما هو الواجب في حقه فيكون مطيعا مأجورا لا حرج عليه وإما أن يكون قاصدا للتعجيز فيكون عاصيا وإما أن يكون غير قاصد لهذا ولا لهذا فيكون مطيعا بصورة الدعاء مثابا عليه غير مطيع ولا عاص بالقصد لعروه عنه ا ه