وإذا قربوا منها جدا لم يبق قبالتها إلا النفر اليسير من ذلك الركب وكذلك البلدان المتقاربان لو كشف الغطاء بين من فيهما وبين الكعبة لرأى كل واحد منهم نفسه قبالة الكعبة فيه نظر لأن القول بالسمت العادي دون الحقيقي مآله إلى القول بالجهة فهو على التحقيق تسليم لقول المخالف وتحرير الخلاف المذكور
وسر الفرق بين قاعدة إن استقبال الجهة يكفي عند القائلين بها وبين قاعدة إن استقبال السمت لا بد منه عند القائلين بها هو ما كان يذكره الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى جوابا عن استشكاله أن من بعد عن مكة لا يقول أحد إن الله تعالى أوجب عليه استقبال عين الكعبة ومقابلتها ومعاينتها فإن ذلك تكليف ما لا يطاق بل الواجب عليه أن يبذل جهده في تعيين جهة يغلب على ظنه أن الكعبة وراءها وإذا غلب على ظنه بعد ذلك أنها وراء الجهة التي عينتها أدلته وجب عليه استقبالها إجماعا فصارت الجهة مجمعا عليها والسمت الذي هو العين والمعاينة مجمع على عدم التكليف به وإذا كان الإجماع في الصورتين فأين يكون الخلاف بقوله الشيء قد يجب إيجاب الوسائل وهو كثير في الشريعة كالنظر في أوصاف المياه المتوسل به إلى معرفة الطهورية وفي قيم المتلفات المتوسل به إلى معرفة قيمة المتلف والسعي إلى الجمعة المتوسل به إلى إيقاعها في الجامع والسفر إلى الحج المتوسل به إلى إيقاعه بعرفة وحول الكعبة
وقد يجب إيجاب المقاصد وهو كثير في الشريعة أيضا كالصلوات الخمس وصوم رمضان والحج والعمرة وغير ذلك مما هو واجب لأنه مقصد لنفسه لا لأنه وسيلة لغيره فعلى قاعدة أن استقبال الجهة يكفي يكون