ومنه ما روي أن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه لما مات عظم مصابه على ابنه عبد الله وعظم خطبه وجلت رزيته في صدور الناس فإنه رضي الله عنه عم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وبقي بعد وفاته {صلى الله عليه وسلم} مثل والده وكان يقال من أشجع الناس فيقال العباس ومن أعلم الناس فيقال العباس ومن أكرم الناس فيقال العباس وكان ابنه عبد الله رضي الله عنهما عظيما عند الناس في نفسه لأنه كان ترجمان القرآن وافر العقل جميل المحاسن والجلالة والأوصاف الحميدة فأحجموا عن تعزيته إجلالا له ومهابة بسبب عظمته في نفسه وأقاموا على ذلك شهرا كما ذكره المؤرخون فبعد الشهر قدم أعرابي من البادية فسأل عن عبد الله بن عباس فقال له الناس ما تريد فقال أريد أن أعزي عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فقام الناس معه عساه أن يفتح لهم باب التعزية فلما رأى عبد الله بن عباس قال له سلام عليك يا أبا الفضل فقال له عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وعليك السلام ورحمة الله وبركاته فأنشده اصبر نكن بك صابرين فإنما صبر الرعية عند صبر الراس خير من العباس أجرك بعده والله خير منك للعباس فلما سمع عبد الله بن العباس رثاءه واستوعب شعره سرى عنه عظيم ما كان به واسترسل الناس في
تعزيته وهذا كلام في غاية الجودة من الرثاء مسهل للمصيبة مذهب للحزن محسن لتصرف القضاء مثن على الرب بإحسان وجميل العوارف فهذا حسن جميل ومثله ما ورد في الأخبار أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما توفي سمع أهل بيته قائلا يقول يسمعون صوته ولا يرون شخصه سلام عليكم أهل البيت إن في الله خلفا من كل فائت وعوضا من كل ذاهب فإياه فارجوا وبه فثقوا فإن المصاب من حرم الثواب فكانوا يرونه الخضر عليه السلام فهذا أيضا كلام من القربات ومندرج في سلك المندوبات وعلى هذه القوانين يتخرج جميع ما يرد عليك من النواحات والمراثي والله سبحانه وتعالى أعلم