التزمه وصمم عليه أعظم المصالح إذ لا مصلحة أعظم من الأدب حتى قال رويم لابنه يا بني اجعل عملك ملحا وأدبك دقيقا أي استكثر من الأدب حتى تكون نسبته في الكثرة نسبة الدقيق إلى الملح فإن كثير الأدب مع قليل من العمل الصالح خير من كثير من العمل مع قلة الأدب وما ذلك إلا لأن الله تعالى لما كان لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية كان الممكن في عبادته تعالى هو الأدب وثانيهما إن صدق الوعد والوفاء بالالتزام من محاسن الأخلاق بين العباد وفي معاملة الملوك فلعظم المعنى في هذين الأمرين صح جعلهما سبب الوجوب بدلا من المصالح في أنفس الأفعال ولم يعر الوجوب هاهنا عن مصلحة تناسبه فكان على وفق القواعد وبهذا التقرير يظهر الفرق بين المنذورات والشروط كما يظهر الفرق بينهما وبين الواجبات الأصلية من جهة أن مداركها غير مدارك الأسباب والواجبات الأصلية وهي مصالح غير مصالح نفس الأفعال فتأمل ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق السابع والثلاثون والمائة بين قاعدة ما يحرم لصفته وبين قاعدة ما يحرم لسببه
وهو أن القاعدة أن كل ما حرم لصفته كالميتة حرمت لصفتها وهي اشتمالها على الفضلات المستقذرة والخمر حرم لصفته وهو الإسكار فلا يباح إلا بسببه كالإضرار ونحوه من الأسباب التي لا تباح الميتة إلا بها وكالغصة التي لا يباح الخمر إلا بها وما يباح لصفته كالبر ولحوم الأنعام وغير ذلك من المآكل والملابس والمساكن أبيحت لصفاتها من المنافع والمصالح فلا يحرم إلا بسببه كالغصب والسرقة والعقود الفاسدة ونحوها من أسباب تحريم المآكل والملابس والمساكن المباحة لصفاتها من المنافع والمصالح وذلك أن الله تعالى خلق متناولات البشر في هذا العالم على قسمين قسم يحرم لصفته وهو ما اشتمل على مفسدة