ومعاشرة الأزواج للزوجات بالمعروف واجب، ليس مستحبًا فقط، وإنما هو واجب؛ لأن الله أمر به، فقال: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء:19] وهذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب؛ إلا إذا قام الدليل على صرفه إلى الاستحباب، ولا صارف، هناك أمر، والأمر يقتضي الوجوب، ولا يوجد صارف، إذًا ما حكم المعاشرة بالمعروف؟ واجب، إذا أخلَّ بها الزوج يأثم.
بل إن الأدلة متضافرة على وجوب المعاشرة بالمعروف، وتأكيد هذا الوجوب، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (استوصوا بالنساء خيرًا) رواه الإمام مسلم.
وهذه الوصية من النبي عليه الصلاة والسلام، أن نستوصي بالنساء خيرًا؛ لأنهن عَوان عندنا، وأسيرات، فلا بد من إحسان العشرة معهن، والمخالِف لذلك كثير، ولذلك إذا طغى الزوج، أو بغى، أو كان فظًا، أو غليظًا، أو سيئ المعاملة، أو نابي الألفاظ، أو مقصرًا في النفقة، أو مقطبًا في وجه زوجته، أو لا يكلمها، ولا يعطيها اهتمامًا، ولا عطفًا، ولا حنانًا، فإنه بالتالي يكون مخالفًا لهذه الآية، والمخالفة خطيرة، ولذلك ينبغي الرجوع إلى الكتاب والسنة.
وقد حث الإسلام على الالتزام بهذا الأمر، وجعل أكثر الرجال خيرية خيرهم لنسائهم، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم) .
وجاء في حديث ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) .
فإذًا جعل الخيرية في طبقات الرجال مَن كان خيرًا لأهله؛ لأنه إذا كان معاشرًا بالمعروف لأقرب الناس إليه، ومن كانت خلطته دائمًا معها وهي زوجته وهو معها بشر وحسن خلق وحسن معاشرة فمن باب أولى أن تكون علاقته مع الناس البعيدين حسنة، ومع الناس الذين يجدهم بين الفينة والفينة حسنة، ولذلك تجد القاعدة فعلًا مُطَّرِدَة، إذا كانت معاشرة الرجل مع زوجته حسنة، في الغالب تجد أن معاشرته مع جميع الناس حسنة.
ومما يؤكد وجوب المعاشرة بالمعروف للزوجة: التأسي بالنبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله تعالى قال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب:21] .
وماذا كان يفعل صلى الله عليه وسلم مع نسائه؟ كان جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف معهم، ويوسعهم نفقة، ويضاحك نساءه، حتى إنه كان إذا صلى العشاء، يدخل منزله يسمُر مع أهله قليلًا قبل أن ينام، يؤانسهم بذلك صلى الله عليه وسلم، ولذلك كَرِه السمر بعد العشاء إلا مع الأهل أو الضيف وما شابه ذلك من الحاجة، ولذلك فإن مسامرة الرجل لأهله من السنة، وسَمَرُه مع زوجته من السنة.
ولعلنا نفرد فصلًا خاصًا لمعاشرة النبي عليه الصلاة والسلام وهديه في معاشرة زوجاته.