فهرس الكتاب

الصفحة 3114 من 7040

الشهداء بالنسبة إلينا ما هم؟ إنهم أموات، ماتوا وذهبوا، وفارقت أرواحهم أجسادهم، لكن يقول الله سبحانه وتعالى: {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ} [البقرة:154] الشهداء عند الله أحياء، وعندنا أموات: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران:169 - 171] .

انظروا إذًا -أيها الإخوة- للاختلاف بين ميزان الله وميزان البشر، الشهداء أحياء عند الله، وعندنا أموات، نحزن لفراقهم، وهم عند الله تعالى أحياء فرحون جدًا بما وجدوا من كرم الله تعالى، وهم يفضلون ما عند الله على ما عندنا بالتأكيد، لكننا نحن نحزن لأجلهم، ولفراقهم.

من الموازين التي يظهر فيها الاختلاف أيضًا، ميزان العطية والمنحة، والحرمان والقلة، قال الله تعالى: {فَأَمَّا الْأِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} [الفجر:15 - 16] قدر عليه رزقه: أي: ضيق.

ماذا قال الله عن هذا الميزان البشري الدنيوي؟ قال: {كَلَّا} [الفجر:17] أي: ليس الأمر كذلك، لأنه إذا أعطى عبدًا وأكرمه ونعمه فإن ذلك لا يقتضي أنه راض عن هذا العبد، بل إنه يعطي الكفار والفساق والفجرة والعصاة أعطيات عظيمة، لماذا؟ هم عند الناس: رب أكرمن، يقولون: الله أكرمهم، ولكن عند الله استدراج: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا} [آل عمران:178] .

لا حظ الفرق يا أخي! لاحظ الفرق لتعتبر، فالمسألة تحتاج إلى نظر وفقه، عند الناس يقولون: هذا أكرمه الله عز وجل ونعمه بهذه الملايين، وهذه النعم، لكن يقول الله تعالى: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا} [آل عمران:178] هل هذه كرامة ونعمة؟ لا.

بل هذه نقمة وشر، واستدراج، إذا رأيت العبد مقيمًا على معصية الله والله يعطيه، فاعلم أنما هو استدراج، وفي المقابل إذا حُرم شخص من نعمة مال ومن دنيا، فإن هذا ليس دليلًا على أن الله يريد أن يهينه، كما يظنه بعض الناس بميزانهم الدنيوي البشري، كما قال تعالى عنهم: {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا} [الفجر:16 - 17] لأن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه، والقلة له خير من الكثرة، والكثرة يشتغل بها عن الطاعة وعن دينه فيهلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت