فهرس الكتاب

الصفحة 6277 من 7040

الآن نتعرف على صفة ضحك النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن الحارث بن جزء رضي الله عنه أنه قال: (ما رأيت أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، ومن طريقٍ أخرى عنه قال: (ما كان ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسمًا) ، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت، لا رآني إلا ضحك) أي: تبسم، لأن تبسمك في وجه أخيك صدقة، وقد قلنا سابقًا: إن الضحك يُطلق على التبسم، وإن كل تبسمٍ في اللغة هو ضحك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أفصح خلق الله، وأعذبهم كلامًا، وأسرعهم أداءً، وأحلاهم منطقًا، قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد في فصلٍ يتعلق بهديه صلى الله عليه وسلم في كلامه وسكوته وضحكه:"وكان يضحك مما يُضحك منه، وهو مما يُتعجب من مثله ويستغرب"، كان يضحك من الشيء الذي يدعو للضحك، لكن كان غالب ضحكه عليه الصلاة والسلام تبسمًا، والأشياء التي يُضحك منها فسرها رحمه الله بقوله:"وهو مما يتعجب من مثله ويستغرب"، وستأتي شواهد لهذا.

وعقد الترمذي رحمه الله في كتاب الشمائل المحمدية: باب ما جاء في ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم ذكر بعض الأحاديث الصحيحة منه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم مما جاء عنه أنه ربما جلس في مجلسٍ وفيه بعض أصحابه، فذكروا أشياء مما يُضحك منها فتبسم صلى الله عليه وسلم، كما جاء في صحيح مسلم: عن سماك بن حرب قال: قلت لـ جابر بن سمرة: (أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم كثيرًا، كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام، وكانوا يتحدثون) أي: حصل في بعض المجالس أنهم كانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم.

مثال على هذه الأشياء: أنه ربما ذكروا قصة الرجل الذي كان يجعل صنمًا من تمرٍ يزعم أنه إلهه فأينما حل وارتحل جعله معه، وأنزله معه يسجد له، فإذا جاع أكل منه، فهذا مما كان يتبسم منه صلى الله عليه وسلم، وربما كان في بعض أصحابه أناس من الظرفاء الذين عندهم طبعٌ فيه مزاحٌ وظرفٌ، فكان عليه الصلاة والسلام يضحك مما يحصل منهم من هذه الظرف، كما جاء في صحيح البخاري من حديث عمر بن الخطاب على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: (أن رجلًا كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارًا، وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم) فإذا وجد في طلاب أو جلساء العالم من عنده روح الدعابة والطرفة، فإذا حصل عند العالم أو هذا الشخص القدوة شيءٌ من الضيق أدخل على نفسه شيئًا من السرور بإضحاكه بحق، وهذا لا بأس به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت