فهرس الكتاب

الصفحة 3551 من 7040

وقد جرت أقدار الله في عالم المسلمين أن تكون لهم الكرة مرة وعليهم مرة، يقول الله في شأن الآيات النازلة في غزوة أحد {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران:139 - 140] إذًا: من الذي يجعل النصر اليوم والغلبة في هذا اليوم لقوم من الأقوام؟ ومن الذي يجعل النصر والغلبة لقوم آخرين في يوم تالٍ أو أسبوع تالٍ أو شهر تالٍ أو سنة قادمة؟ إنه الله سبحانه وتعالى.

يا إخواني! يجب أن لا تغيب عن أذهاننا هذه الحقيقة في أي حال من الأحوال، وإذا أردت أن تعرف وتتصور أكثر، فتأمل وتذكر خارطة العالم ودويلات العالم في العصور السابقة، هل بقيت الخارطة لم تتغير؟ هل بقيت الدول كما هي منذ أن خلق الله العالم إلى الآن ما تغيرت؟ هل بقيت الغلبة لقوم معينين تناسلوها جيلا عن جيل يغلبون غيرهم حتى الآن؟! كلا -أيها الإخوة- إن أحوال العالم تتغير يومًا بعد يوم وشهرًا بعد شهر، وسنةً بعد سنة، وعقدًا بعد عقد، وقرنًا بعد قرن من الزمان، والله سبحانه وتعالى بحكمته عز وجل وعلمه وقدرته وإرادته هو الذي يغير هذه الأمور {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران:140] نزلت هذه الآية في معركة أحد، وكان المسلمون قد انتصروا قبلها في غزوة بدر انتصارًا مبينًا، فرقانًا بين الحق والباطل، وبعد ذلك في معركة أحد انهزم المسلمون وقتل منهم سبعون من خيارهم، وحصلت هزيمة عظيمة، وشج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت منه الدماء، ودفع المسلمون ثمن الهزيمة باهظًا من الأرواح والمعنويات التي فقدوها في تلك الغزوة، وأطلع النفاق رأسه واشتد النفاق بعد معركة أحد بالذات ما لم يشتد قبل ذلك، ومن هم أولئك المسلمون؟ إنهم الصفوة المختارة التي قادها أعظم نبي ظهر في البشرية على الإطلاق وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، السبب طبعًا {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} [آل عمران:152] الفشل، والتنازع، والمعصية، وحب الدنيا، أربعة أسباب رئيسية ذكرتها الآية، أسباب لهزيمة المسلمين في معركة أحد، قبل فترة كانوا منتصرين، وبعد فترة أصبحوا منهزمين، وبعدها انتصروا في الأحزاب، وبعدها جاءت حنين، فانهزموا في البداية وانتصروا بعدها، ثم توالت انتصارات المسلمين تفتح بلاد العالم شرقًا وغربًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت