فهرس الكتاب

الصفحة 2313 من 7040

كذلك إذا تبين للإنسان وجه الحق في شيء فلا يسمع كلام أي شخص بعد ذلك.

مثال: أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما عزم على قتال المرتدين، قال عمر: (كيف تقاتل قومًا قالوا: لا إله إلا الله، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا: لا إله إلا الله، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى، فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين ما جمع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم) .

ثم تابعه بعد ذلك عمر على رأيه -هذه رواية البخاري - فلم يلتفت أبو بكر رضي الله عنه إلى مشورة عمر، إذ كان عنده حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة.

فإذًا أبو بكر لما عرف الحق لم يقبل مشورة أحد.

ونحن الآن يقع بعضنا في إشكال وهو: قد يستشير في أمر، لكن حتى مع الاستشارة لا يتبين له وجه الصواب، ولا يدري ما هو الحق، تضاربت عنده الآراء وكل واحد يشير عليه برأي معين، فماذا يفعل؟ قال شيخ الإسلام رحمه الله في الفتاوي: وإذا استشارهم، فإن بين له بعضهم ما يجب اتباعه من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو إجماع المسلمين، فعليه اتباع ذلك ولا طاعة لأحد في خلاف ذلك، وإن كان عظيمًا في الدين والدنيا، وإن كان أمرًا تنازع فيه المسلمون، فينبغي أن يستخرج من كل منهم رأيه ووجه- أي: الرأي وعلى ماذا اعتمد هذا الرأي؟ - فأي الآراء كان أشبه بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم عمل بها.

يقول: أنت يا فلان ما رأيك؟ ما دليلك؟ ثم ينظر هذا الرجل أيها أقرب إلى الكتاب والسنة، وأشبه بنصوص الكتاب والسنة فيعمل به.

لو أن إنسانًا ليس عنده خبرة أو علم، ولا يستطيع أن يعرف ما هو الأشبه بالكتاب والسنة، فماذا يفعل؟ يقول شيخ الإسلام رحمه الله: ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ما دلّ عليه الكتاب والسنة كان هو الواجب، وإن لم يكن ذلك- هذه مسألتنا الآن- لضيق الوقت.

أي: الواحد ليس عنده وقت الآن ينقح الآراء ويقضي وقتًا طويلًا، أو عجز الطالب، عرف أقوال ثلاثة من العلماء متضاربة، وليس عنده قدرة على الترجيح، أو تكافأت الأدلة فلا يستطيع أن يرجحها أو غير ذلك، فماذا يفعل؟ يقلد الأعلم، شخص قرأ ثلاث فتاوى لثلاثة مشايخ فيها آراء مختلفة، وحاول أن يبحث في الأدلة فما استطاع، ماذا يفعل؟ يقلد الأعلم.

نرجع فنقول: إذا كانت القضية شرعية فالأعلم فيها هو الأعلم بالشريعة، وإذا كانت قضية تخصص دراسي، فالأعلم بالتخصصات وبواقعك وبشخصيتك تأخذ برأيه، فتقلده إذا تضاربت عندك الآراء.

ولذلك نقول: العالم يأخذ بالأعلم، وإذا كانت القضية تتعلق بالواقع يأخذ برأي الأقرب وأوعاهم وأكثرهم وعيًا بالواقع، والذي يعرف أصول الإسلام ويثق فيه أكثر، وبعبارة أخرى: يأخذ من تجتمع فيه شروط المستشار أكثر من غيره.

أحيانًا إذا شعر الواحد أنه إذا استشار عدة أشخاص، فإن هذا يكون سببًا لضياعه وتشتت ذهنه، فإنه لا داعي لأن يفعل هذا، وإنما يستشير من يعتقد أنه الأقرب إلى الصواب.

طالب العلم مثلًا لو استعصت عليه مسألة وسأل فيها أكثر من عالم، وشعر أن أخذ آراء خمسة من العلماء سيجعل فيه نوعًا من التشتت، وسيجعله يرجح، إما بالهوى، أو بالأكثرية، وهذا ليس دائمًا صحيحًا، أو لأن أحد الأقوال يوافق تفكيرًا سابقًا عنده، كمن فكر في مسألة ثم سأل ثلاثة علماء اختلفوا، ومنهم من يوافق الذي في ذهنه، هل يتبع هذا؟ لا.

ليس بالضرورة أن الذي يوافق الذي في ذهنك يكون هو الصحيح، ولذلك إذا لم يكن عندك قدرة على الترجيح اسأل الأعلم واتبعه.

بعض الناس أحيانًا يقعون في مشكلة في الاستشارة، وهي: أخذ الآراء الكثيرة جدًا، لماذا؟ لا لأنه يحتاج، لكن بعض الناس يريد أن يضفي أهمية على نفسه، وأهمية على المشكلة، ويكبر المشكلة، فيستشير عشرين شخصًا، لا لأنه يحتاج رأي العشرين، لكن لكي يقول: أنا استشرت فلانًا وفلانًا وويكبر المشكلة، ويبين نفسه أنه مهم، وأن المشكلة هذه خطيرة، وأنها تحتاج إلى عشرين شخصًا، فتكون أحيانًا من باب التباهي أمام الناس وأمام نفسه، وهذا النوع من الناس غالبًا ما يكون ضعيف الشخصية، ليس عنده قدرة على حبس فكرة في ذهنه، فهو كلما رأى شخصًا طرح القضية عليه.

فلا يستطيع أن يسيطر على ما بداخل نفسه، فيشعر أنه لابد أن يحدث جميع الناس، فلا هو الرجل الحازم الذي عنده الرأي وأخذ به، ولا هو أخذ برأي الناس ولا يأتمر، كما يقول أحدهم:"رجلٌ حائر بائر، لا يأتمر رشدًا ولا يطيع مرشدًا"، وإذا عرف الإنسان الحق، فإن الجواب في الآية {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران:159] .

إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ولا تك بترداد الرأي مفسدا

ويقال: فإن فساد الرأي أن تترددا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت