فهرس الكتاب

الصفحة 4106 من 7040

رجل من الأعاجم امتلأ قلبه شوقًا إلى بيت الله

والمشهد الأول: مع رجلٍ من الأعاجم، من بلاد الإمام البخاري رحمه الله تعالى: جاء إلى مكة بعد عشرات السنين من الستار الحديدي الذي أقامته الشيوعية حائلًا بين أهل تلك الديار والاحتكاك ببقية المسلمين.

يقول أحد المسلمين الذي يعرفون شيئًا من لسان أولئك القوم وهو في مكة، يقول: وأنا أسير في ساحة الحرم متجهًا إلى الكعبة سمعت صوتًا ينادي: يا حاج! يا حاج! فالتفت فإذا بحاجٍّ قد بدت في وجهه آثار الجهد والإرهاق، كانت هيئته وملامح وجهه تدل على أنه من بلاد ما وراء النهر، قال لي بالأوزبكية مع حركات يديه الكثيرة محاولًا إفهامي: كم عليَّ أن أطوف بالبيت؟ فأجبته بالأوزبكية وهي كل ما تبقى لنا من ذكريات بلادنا المنسية: عليك أن تطوف بالبيت سبعة أشواط.

فرأيت السرور داخله بمعرفتي لغته.

ثم ما لبث أن قال باستعجاب: سبعة أشواط؟! وهل تستطيعون ذلك؟! لقد بلغ الجهد مني مبلغه من أول شوطٍ حول البيت.

وأشار إلى مبنى الحرم الخارجي.

ففهمت سبب التعجب، ومدى ما أصابه من الإرهاق، لقد ظن هذا المسكين أن هذا المبنى كله (الحرم) هو الكعبة، فشرع في الطواف حول الحرم دون تردد من الخارج؛ لأنه لم يَرَ البيت العتيق من قبل، فهو منذ أن جاء إلى جدار الحرم الخارجي، شرع بالطواف.

فقطع تفكيري صوتُه قائلًا: أستعين بالله، وأكمل الطواف.

ثم أخذ بالانصراف، فوجدتها فرصةً سانحةً للتعرف على ما يدور داخل بلاد المسلمين، فاستوقفته عارضًا عليه المساعدة، فرحب مسرورًا.

ذهبنا سويًا إلى داخل الحرم، وأشرت إلى الكعبة المشرفة، وقلت له: هذا بيت الله، لا الذي طفت حوله من قبل.

فما هي إلا لحظات حتى رأيت الدموع تنهمر من عينيه، وقال: يا ألله! هذا هو بيت الله؟! سمعتُ به كثيرًا، ولَمْ أَرَه إلا الآن.

فأسرع الخطى نحو البيت، وأسرعتُ معه قائلًا: هذا من فضل الله عليك أن يسَّر إليك القدوم إلى بيته، وقد حُرِم منه الكثير.

فقال بصوت منتحب: كم سمعتُ أبي رحمه الله وهو يدعو ويتمنى رؤية بيت الله؛ ولكن الشيوعيين لم يُمَكِّنوه من ذلك، فمات وفي قلبه حسرةٌ وألم، لقد ذقنا الكثير مما لا أظن أن أحدًا قد لاقاه، دَعْنا نطوف بالبيت أولًا، ثم أفصِّل لك شيئًا مما نلناه.

وبعد طواف رقَّ له قلبي، وذرفَت عيناي مما شاهدت من عجيب انكساره بين يدي الله، وبعد تعارفٍ جرى بيننا قال لي: لم يترك لنا الروس شيئًا يَمُتُّ إلى الإسلام بِصِلَة إلا وحاولوا إبادته، حتى أسماؤنا لم يتركوها لنا، والدي أسماني عبد الحكيم، ولكنني لا أُعْرَف بهذا الاسم إلا في البيت، أما رسميًا فاسمي حكيموف، إن الروس قد فعلوا هذا بالأسماء، وهي أسماء لا تضرهم، ولا تقاومهم، فماذا تظن أنهم قد فعلوا بعلمائنا ومشايخنا الذين يعلموننا القرآن والسنة؟! دعني أقص عليك طريقة بعض علمائنا.

يتبعونهم في تعليم الصبية كتاب الله، ويراقبونهم في كل شيء، ومنعوا من كل وسيلة من وسائل التعليم، حتى كان الشيخ يصعد فوق سقف المنزل من الداخل بسلم، ويصعد الطلاب خلفه، ثم يرفع السلَّم إليه ويخبئه، ويلقي الدرس بصوت خافت؛ لكيلا يعلم أحد بهم.

وقل مثل ذلك في مخازن تحت المنزل، كان الشباب في المصانع إذا أرادوا المذاكرة ومراجعة شيء من العلم، اجتمع كل أربعة، أو خمسة في وقت تناول الطعام، ويتحدث كل واحد بما عنده دون أن يلتفت إليه الباقون؛ لكي لا يُعْلَم بأمرهم.

حتى الصلاة التي هي عماد الدين، كان الواحد منا يذهب ويختبئ بعيدًا ويصليها سريعة، ويعود لكي يذهب الآخر، لم نكن نعرف صلاة الجماعة، وما عرفناها منذ زمن بعيد.

كم أشعر بالأسى على مشايخنا وعلمائنا الذين كان لهم الفضل بعد الله في بقاء دينه في بلادنا، لم نستطع أن نقدم لهم أبسط حقوق المسلم، لم نستطع أن نغسِّلهم ونكفِّنهم، وأن نشيع جنائزهم، فماتوا ودُفِنوا حسب مراسم الدفن الشيوعية، وهكذا.

والشاهد -أيها الإخوة- أن دين الله بقي في تلك البلاد بمثل هذه الوسائل التي عاشت تحت الضغط والقهر والإكراه والحصار؛ لكن بقي دين الله، لو أن دينًا آخر في بلاد الشيوعيين حصل له ما حصل لهذا الدين، لكان فَنِي منذ زمنٍ بعيدٍ، أليس في هذا دليل على عظمة هذا الدين؟! أليس في هذا دليل على أن الله قد اختاره ليبقى؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت