فهرس الكتاب

الصفحة 531 من 7040

ومن أعظم الأمور التي تُساعد على الحفظ، بل هو السبب الحقيقي في الحفظ، بل لا يُوجد سبب يفوقه أصلًا -التكرار، مهما حاولت أن تأتي بوسيلة أو سبيل للحفظ لا يمكن أن تأتي بأعظم ولا أحسن ولا أفضل، ولا أشد أثرًا ولا أعظم مردودًا من التكرار، فالتكرار هو الحفظ، وهو الوسيلة الحقيقية للحفظ.

وتكرار المحفوظ وإعادته على النفس يحصل به الإتقان، وهكذا كان العلماء يقرءون المرات الكثيرة، يعيدون مرارًا وتكرارًا حتى يحفظوا، قال بعضهم: سمعت صائحًا يصيح: والأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، والأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، ساعة طويلة، فكنت أطلب الصوت إلى أن رأيت ابن زهير وهو يدرس مع نفسه من حفظه حديث الأعمش.

وعن معاذ بن معاذ قال: كنا بباب ابن عون، فخرج علينا شعبة وعقد عقدًا بيديه جميعًا، فكلمه بعضنا، فقال: لا تكلمني فإني قد حفظت عن ابن عون عشرة أحاديث أخاف أن أنساها، فهو لازال يعيد ويكرر حتى يحفظ.

وكان أبو إسحاق الشيرازي يعيد الدرس مائة مرة، إذا أراد أن يحفظ درسًا أعاده مائة مرة.

وكان الكيا من فقهاء الشافعية يعيده سبعين مرة.

وكان الحسن بن أبي بكر النيسابوري يقول: لا يحصل الحفظ لي حتى يُعاد خمسين مرة.

لابد من الإعادة، لا تفكر -يا طالب العلم- بأن تأتي بوسيلة أخرى غير التكرار والإعادة مهما اجتهدت وصعدت ونزلت، وبحثت ونقبت، لا يمكن أن تأتي بوسيلة للحفظ غير الإعادة والتكرار، قد تختلف وسائل الإعادة والتكرار، لكن يبقى الأصل هو الإعادة والتكرار، ولما سُئل البخاري رحمه الله تعالى عن سبب حفظه، قال كلامًا معناه: لم أجد أنفع من مداومة النظر، الإعادة ومداومة النظر هما سبيل الحفظ.

وحُكي أن فقيهًا أعاد الدرس في بيته مرات كثيرة، فقالت له عجوز في بيته: قد والله حفظته أنا، فقال: أعيديه، فأعادته، فلما كان بعد أيام، قال: يا عجوز! أعيدي ذلك الدرس، فقالت: ما أحفظه، قال: أنا أكرر الحفظ لئلا يصيبني ما أصابك.

فلابد من تكرير الكلام مرارًا وتكرارًا، هذا هو سبب الحفظ.

وكلما كان التكرار أكثر ثبتت قاعدة الحفظ، فلا يحتاج إلى أوقات أخرى لاسترجاعه عند النسيان، التأسيس البطيء الذي يكون فيه التكرار الكثير قاعدة للحفظ.

ثم لابد من المراجعة المستمرة بين الحين والحين، لأنهم قالوا: إن القلوب تربٌ والعلم غرسها، والمذاكرة ماؤها، فإذا انقطع عن التُرب ماؤها جف غرسها، فلابد من الإعادة والمراجعة.

ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تعاهدوا القرآن فإنه أشد تفصيًا من صدور الرجال -أشد هربًا من صدور الرجال- من النعم من عقلها) أي: الإبل التي تحاول دائمًا التفلت.

ولذلك تعاهدوا القرآن: أي كرر وراجع، ثم كرر وراجع، ثم كرر وراجع، دائمًا، هذا هو الحفظ.

وكان بعضهم لا يخرج كل غداة حتى ينظر في كتبه، ويتعاهد المحفوظ دائمًا، ومراجعة الحفظ السابق أولى من حفظ شيء جديد، لأن المحافظة على رأس المال أولى من جمع الأرباح.

وقال الخليل بن أحمد: تعاهد ما في صدرك أولى بك من أن تحفظ ما في كتبك، ولذلك بعض العلماء كان لهم أوقات مراجعة؛ لا يخرج لأحد، ولا يسمح لأحد أن يأتي إليه، ولا يُعطي موعدًا أبدًا في وقت المراجعة؛ من السابقين واللاحقين، ومن المعاصرين على سبيل المثال الشيخ علي الزامل النحوي اللغوي، العلامة في القصيم، له بعد الفجر وقت يومي يراجع فيه حفظه من القرآن، وهو ضرير ومعه رجل ضرير آخر يراجع معه، ولا يمكن أن يقبل موعدًا أو درسًا في هذا الوقت؛ لأنه وقت مراجعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت