فهرس الكتاب
وكان رحمه الله متواضعًا لا يأنف أن يركب أي سيارة مهما كانت قديمة، بل ربما ركب بعض السيارات وتعطلت به، ونزل يدفع مع السائق، ويخشى أن تفوت الصلاة في المسجد، ودخل مرة البلد والمساجد مغلقة بعد ما رجع من سفر، فلف على المساجد حتى وجد مسجدًا مفتوحًا فبدأ به بركعتين تطبيقًا للسنة.
وكان رحمه الله من تواضعه لا يرضى أن يقال له: العلامة، وإذا سجل أحد طلابه ذلك في الشريط، قال له: امسحه من الشريط، وقلت له مرة: يا شيخ! هذه المسائل التي سألتك إياها سنجمعها في كتاب ونسميه: مسائل العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، قال: لا نريد العلامة ولا غيرها.
وفي أحد اللقاءات الشهرية قال له أحد الحاضرين: يا شيخ! إني قد اغتبتك فاجعلني في حل، فقال: من أنا حتى لا أُغتاب وأنت في حل.
وكان يقرب الفراشين الذين كانوا يخدمونه في المسجد، ويتحدث معهم.
واستأذن بعض الشباب بقراءة أبياتٍ من الشعر نظمها في مدح الشيخ رحمه الله، فكان الشيخ يقاطعه مرارًا معترضًا على مدحه، وطلب تغيير تلك الكلمات، وكلما سمع مدحًا اعترض وقاطع وأوقف الطالب، حتى قال الطالب: لا يصلح هذا يا شيخ! إما أن أقرأ ما كتبت أو أتوقف، فقال الشيخ: توقفك أحب إليَّ، ولم يرضَ رحمه الله بهذا المديح، والقصة تسمعها في الشريط فتتأثر من هذا والقصة ملخصة على النحو التالي: قال الطالب بين يدي الشيخ: أما بعد: فضيلة الشيخ! أستأذنكم في هذه القصيدة:
يا أمتي إن هذا الليل يعقبه فجرٌ وأنواره في الأرض تنتشرُ
والخير مرتقبٌ والفتح منتظرُ والحق رغم جهود الشر منتصرُ
وبصحوة بارك الباري مسيرتها نقية ما بها شوبٌ ولا كدرُ
ما دام فينا ابن صالح شيخ صحوتنا بمثله يرتجى التأييد والظفر
قال الشيخ: أنا لا أوافق على هذا البيت؛ لأني لا أريد أن يربط الحق بالأشخاص، كل شخص سيفنى، فإذا ربطنا الحق بالأشخاص فمعناه أن الإنسان إذا مات قد ييأس الناس من هذا، فأقول: إذا أمكنك الآن فبدل البيت: ما دام فينا كتاب الله وسنة رسوله فهذا طيب.
الطالب: مادام فينا كتاب الله وسنة رسوله ابن العثيمين الشيخ: لا هذه لا تأتي بها لا توقف الطالب: فقيهنا.
تداخل: دعه يواصل.
الشيخ: لا لا لا لا.
لا أرضى، ما عندك إلا هذا؟ الشيخ: أبدًا وليس له داعٍ يا رجال! فقط أنا أنصحكم من الآن وبعد الآن ألا تجعلوا الحق مربوطًا بالرجال، الرجال قد يضلون، حتى ابن مسعود يقول: [من كان مستنًا فليستن بمن مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة] الرجال إذا جعلتم الحق مربوطًا بهم، فالواحد منهم قد تقتلب نفسه -نعوذ بالله من ذلك- ويسلك طرقًا غير صحيحة، ولذلك أنا أنصحكم الآن ألا تجعلوا الحق مقيدًا بالرجال لأمور: أولًا: لا يأمن الإنسان -نسأل الله أن يثبتنا وإياكم- الزلل والفتنة.
ثانيًا: أنه لا أحد يبقى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء:34] .
ثالثًا: أن بني آدم بشر، ربما يغتر إذا رأى الناس يبجلونه ويكرمونه ويلتفون حوله، ويظن أنه معصوم، ويدعي لنفسه العصمة، وأن كل شيءٍ يفعله فهو حق، وكل طريق يسلكه فهو مشروع، فيحصل بذلك الهلاك، ولهذا امتدح رجلٌ رجلًا عند النبي عليه الصلاة والسلام فقال: (ويحك! قطعت عنق صاحبك، أو قال: ظهر صاحبك) ، وأنا أشكر الأخ مقدمًا وإن لم أسمع ما يقوله فيَّ على ما يبديه من الشعور نحوي، وأسأل الله أن يجعلني عند حسن ظنه أو أكثر، ولكن لا أحب أن أمدح.