فهرس الكتاب

الصفحة 2727 من 7040

ولما تدبر بعض السلف هذه الآية ومنهم سفيان بن عيينة قال لما سمع قول الله عز وجل: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأنعام:38] قال رحمه الله: ما في الأرض آدمي، إلا وفيه شبه من البهائم، فمنهم من ينتصر انتصار الأسد، ومنهم من يعدو عدوَ الذئب، ومنهم من ينبح نباح الكلاب، ومنهم من يتقوس كفعل الطاوس.

وقال الخطابي رحمه الله معلقًا: ما أحسن ما تأول سفيان من هذه الآية، واستنبط منها هذه الحكمة، وذلك أن الكلام إذا لم يكن حكمه مطاوعًا لظاهره وجب المصير إلى باطنه، فنحن نعلم بأن الحيوانات ليست مثل بني آدم، لأن بني آدم في الظاهر يختلفون عن الحيوانات اختلافًا كليًا.

فإذًا: هناك أمور في الباطن تتشابه فيها طبائع الآدميين مع بعض طبائع الحيوانات، وهذا من إعمال الفكر، والتدبر في مخلوقات الله عز وجل.

ولذلك -أيها الإخوة- نجد الله تعالى قد ضرب لبعض بني آدم أمثلة شبههم بها بالحيوانات، فقال الله سبحانه عن نفر من الناس: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} [الأعراف:176] وشبه أناسًا آخرين بأنهم مثل الحمار يحمل أسفارًا، ولذلك سنسوق لكم هذه الأمثلة التي تبين كيف يفكر علماؤنا في الآيات، وكيف يربطونها بالواقع، وما سيأتي من الكلام مختصر من كلام ابن القيم رحمه الله في مواضع متعددة من كتبه.

قال رحمه الله تعالى: ومن الناس نفوسهم نفوس حيوانية، وذلك مثل الجهال بالشريعة، الذين لا فرق بينهم وبين سائر الحيوانات إلا في اعتدال القامة ونطق اللسان -هذا هو الفرق الوحيد وإلا فإنهم يشبهون الحيوانات- ليس همهم إلا نيل الشهوة بأي طريق أتت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت