فهرس الكتاب

الصفحة 6690 من 7040

أيها الإخوة: إن الإيمان باليوم الآخر له انعكاساته وآثاره في حياة المسلم، الإيمان باليوم الآخر هو الذي يهيئ الاهتمامات، ويجعل التعلق بالدنيا أمرًا لا مجال له عندما يعلم الإنسان أن هذه الدنيا زائلة، وأن الآخرة مقبلة، وأن هذه الأيام والأنفاس ستنقضي لا محالة، وأنه سيقدم على الله في يوم يعرض فيه على ربه لا تخفى منه خافية؛ فنتيجة للإيمان بهذا اليوم، وبأن هناك حشرًا وحسابًا وصراطًا وجنةً ونارًا، عذابًا وجزاءً، نتيجةً لهذا ستنشأ سلوكيات لم تكن لتنشأ لولا الإيمان باليوم الآخر، وستنشأ هناك أعمال لله عز وجل لم تنشأ لو لم يكن هناك إيمان بالله واليوم الآخر.

وسيتسع تصور المسلم للحياة وللكون عندما يؤمن ويوقن بأن هناك يومًا آخر، وسيعلم بأن الموت في هذه الحياة ليس نهاية كل شيء، وأن هناك أشياء أخرى أعظم مما يجري الآن بكثير، ولا يمكن المقارنة أبدًا، ستنفتح عيناه عليها في اليوم الآخر.

وأما أولئك الكفرة الذين لا يؤمنون باليوم الآخر فإنهم يحشرون تصوراتهم وأنفسهم وقيمهم في جحر ضئيل ذليل حقير هو الحياة الدنيا، فالكفار -الآن- يعملون وينشطون ويجدون ويخترعون، ويبنون ويعمرون، ويعملون متناوبين آناء الليل وأطراف النهار؛ لأنهم يظنون أن هذه الحياة هي الحياة فقط، وأنه لا شيء بعد ذلك، وأن هذا العمر هو العمر فقط، وأنه لا عمر بعد ذلك، فلأجل ذلك هم يستغلون كل لحظة من هذه الحياة وهذه الأيام وهذا العمر؛ لكي يتمتعوا ويتقدموا، ولكي يأخذوا حظهم من هذه الحياة الدنيا، ولذلك ليس عندهم أي تفسيرٍ فيما وراء هذه الحياة الدنيا: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} [العنكبوت:64] لهي الحياة الحقيقة كما أخبر الله عز وجل، وهي الحياة الدائمة، وحياتنا هذه لا تساوي شيئًا بالنسبة للحياة في اليوم الآخر.

هذا اليوم الذي يبدأ بانقلابات في هذا الكون {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [الانشقاق:1] {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} [التكوير:1 - 6] .

{وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا} [طه:105] .

{فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} [الرحمن:37] .

{كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا} [الفجر:21] .

ولما تقع الواقعة: {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا} [الواقعة:2 - 6] وفي ذلك اليوم: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر:22] فيقدم الله سبحانه وتعالى ويجيء مجيئًا يليق بجلاله وعظمته إلى ساحة القضاء للفصل بين العباد، فيُحاكمون بين يدي الجبار، والملائكة صفوفًا صفوفًا في عظم خلقتهم التي خلقهم الله عليها، فيكون الموقف عظيمًا، ويكون المشهد جسيمًا، وتكون العاقبة هناك فعلًا لأهل الإيمان وأهل الكفران.

أيها الإخوة: نحن لم نر الجنة ولا النار، ولا الصراط، ولا الشمس وهي تدنو من رءوس الخلائق، لم نر هذه الأشياء؛ فهي لذلك بعيدة عن الحس، ولكن حس من؟ حس الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر، أما حس المؤمن فهو عندما يقرأ هذه الآيات في القرآن، وعندما تتلى على مسامعه أحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم فإنه يحس أن الجنة والنار فعلًا أقرب إليه من شراك نعله، يحس أنها قريبة جدًا وأن الآزفة قد أزفت، وأن الموعد قد اقترب؛ فهو لأجل ذلك يعمل لآخرته ويكدح ويجد أكثر مما يعمل أهل الدنيا لدنياهم، فإذا كان أهل الدنيا يجعلون هذا اليوم الأربعة والعشرين ساعة يجعلونه على مراحل ومراتب؛ لكي لا يخلو يوم من العمل ولا ساعة من الساعات، حتى في الليل فهم يعملون في نوبات متواصلة لأجل البناء والتعمير كما يزعمون في الدنيا.

بالمقارنة أهل الآخرة يقول الله عز وجل في شأنهم، هم يعملون -أيضًا- في نوبات ليلية: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ} [الزمر:9] ساجدًا وقائمًا لأي شيء؟ {يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر:9] والله مدح المؤمنين بأنهم يصدقون بيوم الدين، ومدحهم فقال: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [النمل:3] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت