فهرس الكتاب

الصفحة 6100 من 7040

تاسعًا: أن تكون العلاقة قائمة على الحكمة

والحكمة والتدرج والرفق كما ذكرت شيء واحد تقريبًا، ولكن من الحكمة اجتناب ما يسرع الناس إلى إنكاره، فإن بعض الأشياء والتصورات الكبيرة في العلم إذا عرضتها على الشخص أنكرها وقال: أنت إنسان لا تفهم الواقع، أو لا تفهم شيئًا، وأنت إنسان عندك شطحات، ولا يقبل منك أمرًا، ولكن من الحكمة أن ترجئ ذلك حتى يستوي نضجه ويكبر فهمه فتعطيه من هذه المسائل.

فتألف قلوب الناس بما يعرفون، وعدم إتيانهم بغرائب العلم من الحكمة، والتبسيط وعدم التعقيد كذلك، وتشجيع المدعو على السؤال من الأمور المهمة حتى يكون ذلك طريقًا إلى فهمه وحرصه على العلم.

ومن هذه الحكمة وداخلة في التدرج أيضًا: ما بينته عائشة رضي الله عنه فقالت: [أول ما نزل من القرآن سور المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام] .

ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا، وهكذا.

فلا بد من تغيير النفوس شيئًا فشيئًا وإعدادها لتقبل الأوضاع الجديدة، وفطام الطفل يكون على مراحل، وهكذا يكون وضع هذا المدعو، فلا بد أن تكون الأمور إذن فيها تدرج، ولا بد أن يكون فيها الأولويات التي أشرنا إليها، وأول ما يبدأ مع مدعو عاصٍ وفاسق لا يبدأ معه بالحلال والحرام، وإنما يبدأ معه بعرض حقائق الإيمان، ووجوب طاعة الله؛ الحساب، الجزاء، الجنة، النار، ما أعد الله لأوليائه وما أعد لأعدائه، ماذا أعد للعصاة وماذا أعد للطائعين، وما يعوض الله الذين يتركون شيئًا في الدنيا من أجل الله، وهذه الأحاديث الترغيبية الترقيقية التي فيها إيراد للآيات والأحاديث الصحيحة والكلام الجيد المنتقى من أقوال أهل العلم في المواعظ، هذه أمور يجب أن يبدأ فيها قبل عرض الأحكام وأمر الناس بالحلال والحرام مباشرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت