فهرس الكتاب

الصفحة 3913 من 7040

الصفة الثانية: (ولا يكتوون) أي: لا يطلبون الكي، ولا يسألون غيرهم أن يكويهم، كما لا يسألون غيرهم أن يرقيهم، استسلامًا لقضاء الله، وتلذذًا بالبلاء وصبرًا عليه لمزيد من الأجر، وعدم حاجة للمخلوقين واستغناءً عنهم، ولجوءًا تامًا إلى الخالق، وتفويض الأمر إليه سبحانه.

وما هو حكم الكي؟ قد جاءت الأحاديث بجوازه، كما روى جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى أبي بن كعب طبيبًا، فقطع له عرقًا وكواه.

وفي صحيح البخاري عن أنس أنه كوى من ذات الجنب والنبي صلى الله عليه وسلم حي، وجاء عند الترمذي من حديث أنس: (أنه صلى الله عليه وسلم كوى سعد بن زرارة من الشوكة) ، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس مرفوعًا:(الشفاء في ثلاثة: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنا أنهى عن الكي.

وفي لفظ: وما أحب أن أكتوي)، ويلاحظ التدرج في العلاج من الأسهل إلى الأصعب، أولًا: فالشخص إذا مرض يأخذ الدواء اللذيذ الذي مثله هنا بشربة عسل، فإذا احتاج إلى شيء أكثر مرًا، وربما يحتاج إلى استخراج، ولذلك قال: (وشرطة محجم) إذًَا: هناك دواء بالامتلاك بالأخذ، وهناك دواء بالاستقرار مثل الحجامة، يخرج الدم في الحجامة، وهناك دواء وهو آخر شيء وهو الكي، قال: (الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار) ، فإذًا: هي مرتبة من الأسهل إلى الأصعب، ولا يذهب الواحد إلى الكي مباشرة وعنده الدواء الأسهل أو الألذ وليس فيه ألم، ولا تشويه للجسم.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فقد تضامنت أحاديث الكي أربعة أنواع: أحدها: فعله.

والثاني: عدم محبته له.

والثالث: الثناء على من تركه.

والرابع: النهي عنه.

فلو راجعنا أحاديث الكي فسنجد أنه فعله أو أقر على فعله، وهناك أحاديث أنه لا يحب الكي، وهناك أحاديث أنه أثنى على من ترك الكي، مثل حديثنا هذا، وهناك أحاديث فيها نهي عن الكي.

يقول ابن القيم رحمه الله: ولا تعارض بينها بحمد الله، فإن فعله له يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على منعه؛ لأنه قد لا يحب شيئًا وهو ليس بممنوع، فإنه لم يكن يحب لحم الضب، لكن هل هو ممنوع أو محرم؟

الجوابلا، وأما الثناء على تاركي الكي فيدل على أن تركه أولى وأفضل، وأما النهي عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهية، أي: إذا كان عندك اختيار فلا تستعمل إلا إذا اضطررت، وقد يحمل النهي على الكراهية لا على التحريم، ويلاحظ هنا أنه قال: (وكية نار) فالكي البارد الذي يستعملونه في المستشفيات لا يعتبر كيًا بالنار الذي يسبب تشويهًا للجلد، فهذا الكي الذي فيه تشويه للجسم مكروه وتعافه النفوس السليمة، ولا تريد هذا الأثر، لكن إذا لم يجد الإنسان دواءً إلا هو فآخر الدواء الكي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت