فهرس الكتاب
قال: (لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون) ، ما هو المقصود بالتطير؟ أي: التشاؤم، فمعنى لا يتطيرون: أي: لا يتشاءمون، والتطير مأخوذ من الطير، والمصدر: طيرة، والتطير اسم المصدر، وهو عبارة عن التشاؤم بالطير، العرب كانوا يتشاءمون بالطيور، حتى لو أراد الإنسان منهم عملًا كسفرٍ أو بيعٍ أو زواجٍ ونحو ذلك؛ أمسك طيرًا فأطلقها، فإن ذهبت يمينًا قال: هذا خير وبركة، وأقدم عليه، وإن ذهبت شمالًا قال: هذا شؤم وشر فتركه وما علاقة العصفور أن يذهب يمينًا أو شمالًا في قضية الخير والبرك والشؤم والشر؟! ولذلك كان أمرًا سخيفًا يدل على سخافة عقول الذين يعتقدون هذا الاعتقاد.
لكن التطير استخدم بمعنى أعم من قضية إطلاق الطير والنظر هل يذهب يمينًا أو شمالًا، فكانت العرب تتشاءم من أشياء مرئية وأشياء مسموعة، أو أزمنة معينة أو أمكنة معينة، فربما تشاءموا بصوت البوم والغراب من المسموعات، أو تشاءموا برؤية الأعور من المرئيات أو المجذوم ونحو ذلك؛ كأن يذهب أحدهم ليفتح دكانه في الصباح، فيجد في طريقه شخصًا أعور، فيقول: هذه أولها، فيعود ولا يفتح المحل، والتشاؤم كذلك بالأمكنة، كما يكون التشاؤم بالأزمنة، والتشاؤم بالأزمنة مشهور، فقد كانوا يتشاءمون في شهر شوال في النكاح خاصة، ويقولون: الذي يتزوج في شوال شر، ولذلك ورد عن الصحابة مخالفتهم، وكانت عائشة لا تدخل نساءها إلا في شوال، كانت إذا جهزت امرأة للزواج تجعل الدخلة والعرس في شوال نكاية في اعتقاد أهل الجاهلية، وقالت عائشة رضي الله عنها: [عقد علي رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال، وبنى بي في شوال، فأيكن كانت أحظى عنده؟] لو كان شوال شرًا ما كنت أنا بهذه المنزلة، ولا كان الزواج المبارك هذا.
ومنهم من كان يتشاءم بيوم الأربعاء، وقد جاء حديث موضوع: (آخر أربعاء من كل شهر يوم نحس مستمر) ، وهذا هو المنحوس الذي وضع هذا الحديث.
وهناك من كان يتشاءم بشهر صفر، وبعض الناس الآن يتشاءمون بالرقم (13) وهذا من التشاؤم الموجود عند الغربيين، على تقدمهم والتكنولوجيا التي عندهم والتطور والمخترعات تجد بعض شركات الطيران العالمية أرقام المصاعد عندها: أحد عشر، اثنا عشر، أربعة عشر، ما فيها ثلاثة عشر، مصاعد في ناطحات السحاب أحد عشر اثنا عشر أربعة عشر، والطابق الرابع عشر هو الطابق الثالث عشر، ليس هناك طابق في الهواء غير موجود ومحذوف، الطابق الرابع عشر هو الثالث عشر، ولكنهم قوم لا يفقهون! مع أنهم يعتبرون أنفسهم متقدمين، لكنهم تراهم يتشاءمون من شيء يدل على سخافة عقولهم.
وقضية التشاؤم قضية طويلة، سبق أن تعرضنا لها في درس بعنوان: التفاؤل، في سلسلة الأخلاق الإسلامية، ذكرنا طرفًا من هذا الموضوع.