فهرس الكتاب

الصفحة 1000 من 2255

1)الإنسان مادة: اتبع الشيوعيون والفلاسفة الماديون أسلوب التجربة والمشاهدة والاستنتاج أي أسلوب الوصول للحقائق المادية في مجال الحقائق الفكرية ، فاعتبروا الإنسان مادة ، واعتبروا أن العقائد الصحيحة يمكن الوصول إليها من خلال حركة الحياة التاريخية والتعامل مع الإنسان كمادة نراقبها وندرسها ، واقتنعوا بأن المحرك للإنسان هو المصلحة فقط ، ولا توجد مبادئ ولا عقائد ولا أديان ولا حتى أمور عاطفية ولا علاقات اجتماعية ولا أخلاق ولا انتماءات عرقية ولا إله وظنوا أن الحياة تتحرك كمادة ، وأن المستقبل سيؤدي إلى حتمية معينة وهي سيطرة الشيوعية ، لأن هذا جزء من التطور المادي ، وسموا نظريتهم الاشتراكية العلمية ، وقدموا تبريرات عقلية واهية يظنون أنها تثبت نظريتهم فأخذوا بعض النظريات ولا أقول الحقائق المادية كنظرية التطور لداروين ، واختاروا بعض القصص والأحداث التاريخية كأدلة لفكرهم ، وتجاهلوا ما يعارضها وقد ذكرنا أن الإنسان يختلف عن المادة ولا يتصرف كما يتصرف الحديد أو الماء إذا أخضع لتجربة مادية ، ولكنهم تجاهلوا هذا أيضًا ولأن فكرهم هزيل ولا يصمد للنقاش فقط اضطروا إلى اضطهاد علماء الأديان السماوية ، والفلاسفة غير الماركسيين في روسيا الشيوعية ونفوا بعضهم وسجنوا آخرين وأعدموا بعضهم فلا حرية ولا نقاش ، والفكر الهزيل بحاجة إلى قوة تحميه وأخيرًا سقطت الشيوعية سقوطًا ذريعًا ، ونقول إن أطفال المسلمين يعلمون أن هذا فكر باطل وشيطاني وجاهل ولكن روسيا احتاجت سبعين

عامًا حتى تعلن ذلك ، والمشكلة ليست في العقل البشري ولكن في الطريقة العلمانية في استخدامه ، وإليكم ما قاله ميلوفان دجيلاس النائب السابق لرئيس يوغسلافيا عن الانتخابات الشيوعية"أنها سباق يعدو فيه حصان واحد"وقال عن الأحزاب الشيوعية"لقد أكدت هذه الطبقة الجديدة إنها أكثر تسلطًا في الحكم من أية طبقة أخرى ظهرت على مسرح التاريخ ، كما أثبتت في الوقت نفسه أنها تحمل أعظم الأوهام ، وأنها تكرس أعتى أساليب الظلم في مجتمع طبقي جديد" (1) وهذا الفشل لا ينفي وجود نجاح جزئي بالوصول لبعض الحقائق الفكرية من خلال دراسة واقع الإنسان وتصرفاته وأحداث التاريخ والأسباب والنتائج .

2)لا توجد حقائق فكرية: أما العلمانيون الرأسماليون فكانوا أذكى بكثير من العلمانيين الشيوعيين ، فهم لم يتطرفوا في ادعاء العلم والحقائق الفكرية بل حرصوا على مصالحهم المادية وشهواتهم وأشغلوا أنفسهم بالأغاني والأفلام والروايات والفنون التشكيلية والمسرحيات والموسيقى ، وتركوا كثيرًا من الأسئلة بدون إجابات ، ولم يدعوا كالشيوعيين أن علمانيتهم توصلهم لكل الحقائق ، فلم يحددوا الحق من الباطل والصواب من الخطأ في كثير من العقائد والعبادات والأمور الاجتماعية ، ولم يقدموا أدلة علمية على صواب فكرهم ، وقالوا أنت حر في عقائدك وعبادتك وحياتك الشخصية فيجوز أن تعبد الله أو تعبد صنم أو لا تؤمن بشيء ، ولتختر كل دولة ما تشاء من قوانين اجتماعية وسياسية واقتصادية ، وحاولوا من خلال مبدأ التصويت ومبدأ الحلول الوسط حل اختلافاتهم العقلية العلمانية ، ونجحوا كثيرًا في قضايا العلم المادي، وهذا هو ما أكسبهم قوة ، ونجحوا أيضًا في الوصول إلى حقائق فكرية كالديمقراطية وحرية الرأي وحقوق الأقليات كأسس وليس في كل جوانبها وهذا أعطاهم قوة فكرية جزئية ، ولكن فشلهم العقائدي والاجتماعي واضح جدًا في شقائهم الاجتماعي والعقائدي والشخصي، والرأسماليون اعتبروا ما وراء الطبيعة أي القضايا الفكرية الكبرى لا علاقة لها بالواقع، فأعتقد ما شئت فيها أما القضايا السياسية والاقتصادية فيحلونها بالتصويت وليس بالاحتكام إلى العقل، أما القضايا الاجتماعية والشخصية فأنت حر فيها أي، أنهم

فلسفوا عجزهم العقلي بأنه لا داعي للعقل ولا حاجة للحقائق الفكرية ، أما المهم عندهم فهو أن تقرأ لشكسبير وأن تكون قرأت قصة العجوز والبحر أو أحدب نوتردام ، أو أن تعرف الموسيقيين الكبار وتاريخ أمريكا ، وكتاب هذا السياسي ، أو ذاك فالأمور الثانوية أو غير الهامة هي التي يقيسون بها ثقافة وعلم الأفراد في حين أن الحقائق الكبرى يتجاهلونها ويجهلونها ولا يعتبرون ذلك جهلًا ونبين هنا قضية مهمة جدًا وهي الفرق بين العلم والثقافة ، وبين العالم والمثقف ، فالثقافة هو أن تعرف معلومات كثيرة عن عقائد وأحداث ولكن إذا كنت لا تدري ما هي العقائد الصحيحة فأنت لا تعرف العلم من الجهل ، فأنت مثقف جاهل، فالقراءة والبحث لا تعني أنك صاحب علم بل العلم يقاس بكمية الحقائق الفكرية التي تعرفها .

3)العرق هو المنبع الفكري: أقام النازيون والعنصريون عمومًا فلسفتهم بناء على اختلاف الأعراق سواء بين أجناس أو أمم أو شعوب أو قبائل أو عوائل ، واختاروا من أقوال العلمانيين والتاريخ وغير ذلك أدلة عقلية مزورة تثبت"صواب"عقائدهم وأفكارهم ، ولا داعي لمناقشتهم ولكن يكفي أن نقول إن المسلمين والمسيحيين يعلمون أن الله خلق البشر متساويين ، وأن أكرمهم عند الله أتقاهم ، وهذه حقائق فكرية راقية يعرفها الناس منذ عشرات القرون ، ومع هذا نجد الفكر النازي العلماني وفي القرن العشرين مقتنع بأن العرق الآري أفضل البشر ، فأصحاب الأديان السماوية يعرفون سخافة الفكر العنصري بمختلف مدارسه ، ولكن العقل العلماني الألماني مقتنع به ، أما العقل العلماني الرافض له كالشيوعي والرأسمالي فإنه عاجز عن إثبات انحرافه لأن نقاش العقول العلمانية لا ينتهي في الغالب إلى نتائج متفق عليها ، بل إلى جدل لا ينتهي لأن لكن طرف مبررات منطقية تبدو كأنها صحيحة.

4)التجربة خير برهان: قال الفلاسفة الوجوديون: إنك ستصل إلى الحقائق الفكرية من خلال تجربة حية أي من خلال التجارب الشخصية وممارسة الواقع ، فالمسألة لم تعد العقل والتفكير ، بل التجربة الشخصية ، وهذا أيضًا باب من أبواب الضلال فكل إنسان سيكون عقائده ومفاهيمه عن الحق والباطل والصواب والخطأ من خلال تجربة شخصية ، أي ستتناقض الحقائق بعدد الآراء المتناقضة من التجارب الشخصية وتصور إنسان عليه أن يصل للحقائق من خلال التجربة أي عليه أن يدخل تجارب الألم والفرح واللذة والعبادة والغضب والثورة والظلم والعدل ... الخ حتى يكون مبادئه .. أفكار هزيلة ومبادئ عنكبوتية نجد أنفسنا مجبرين على نقاشها لأنها دمرت عقولًا بشرية ، ونقول لا توجد علاقة واضحة كيف سيكون الوصول

إلى الحقائق عن طريق تجربة حية نعلم أن الشخص ذو الخبرة والعمر الطويل وممارسة العمل إذا كان ذكيًا من المتوقع أن يكون أصوب في الرأي ونعرف أن المثل يقول:"اسأل مجرب ولا تسأل طبيب"ولكن هذا لا ينطبق على الجميع ولا حتى الأغلبية كما أن ما علاقة تجارب شخصية بالوصول إلى مئات الحقائق الفكرية في أنظمة اقتصادية واجتماعية وعقائدية ومن لديه الوقت والإمكانيات للتعرف أو لتجربة كل هذه الموضوعات ومن قال إن نتائج التجارب البشرية ستكون متشابهة وستصل إلى نفس الاقتناعات فهذا يتزوج ويمدح الزواج والآخر يتزوج ويذمه فأين الحقيقة ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت