فهرس الكتاب
5)البقاء للأصلح: قال الأستاذ زكريا فايد: وبالنسبة للفلسفة البرجمانية المنتشرة في أمريكا ، فعندهم أن الدين مثل أي فكرة أو أي قيمة ، فالأفكار والقيم عندهم ما هي إلا أدوات للعمل ، الواقع وحده أو بالتحديد قابلية هذه الأفكار وتلك القيم للتطبيق العملي هو الذي يحدد مدى صلاحية أو عدم صلاحية هذه القيم ، وتلك الأفكار ، ولا يستثنى من هذا شيء عندهم لا الدين ولا الأخلاق" (1) فبعض العقول الغربية قالت أن الطريق للوصول للحقائق هو ترك الواقع يحسمها بمعنى أن الواقع وليس العقل من سيقودنا وبنوا قولهم على أن الصراع بين المتناقضات وبين الحق والباطل سيؤدي إلى انتصار الحق وبقائه لأن الباطل ليست لديه عناصر العلم ، ونعلم أن البشر إذا لم ينصروا الحق سينهزم وسينتصر الباطل فأي ظالم سيتمادى بظلمه إذا لم يجد بشرًا يردعونه فالظلم إذا وجد أنصارًا سيبقى ، ولو كان الحق هو الذي ينتصر لما عاش الباطل حتى عصرنا هذا ففلسفتهم هي طبق الإعدام ، فإذا نجح في ردع المجرمين فهو حق أما إذا لم ينجح فهو باطل ، ومعروف أن هناك عوامل تتدخل في الواقع من مبادئ ومصالح وظروف وغنى وفقر فهذا الطريق لا يوصل إلى الحقائق فما ينجح في بلد يفشل في بلد آخر ، فالحقيقة الفكرية تثمر في مكان ولا تثمر في مكان آخر إذا لم تكن التربة صالحة ، كما أن معنى هذا الكلام أن تطبق في بلد ما أنظمة اقتصادية رأسمالية وشيوعية وإسلامية .. الخ حتى نترك الواقع يقرر ما هو أصلح أي الذي سيبقى هو الأصلح ، وهذا قمة الفوضى والانحراف وعدم الوضوح وعدم الاستقرار ووضع الناس والأجهزة الحكومية في"
وضع مأساوي ، ومعنى هذا اترك الأفكار والأفراد والأحزاب والدول تتصارع والبقاء سيكون للصواب والحقيقة هي أن البقاء سيكون للأقوى ، وأن هذه هي الشريعة المطبقة في الغابة ، وإذا كانت القوى الديكتاتورية في شعب أقوى من القوى الديمقراطية فإن التطبيق سيكون للديكتاتورية، وقد تستمر عشرات السنين بل قرونًا فهل هذه هي التقدمية العلمانية أم الرجعية الحقيقية .
6)الهرم المعقد: من الأمور الغريبة التي أدت إلى ستر الجهل العلماني طويلًا هو الفيضان الكتبي حيث نجد للفلاسفة والعلمانيين آلاف الكتب بدل كتاب أو كتابين للحقائق الفكرية كما في الأديان السماوية ، وهذا جعل الباحث عن الحقائق عليه أن يقرأ الكثير من الكتب، ولن يصل ليس فقط لأن ما عندهم آراء وليس حقائق بل لأنهم يعطونك آلاف الكتب وهناك صعوبة لأن يفهم بعضهم بعضًا كما أنهم يستخدمون مصطلحات كثيرة ذكرت بعضها في مقال سابق ، وكثير منها غامض ومتناقض ، وكلامهم كثير ومعقد مما يجعل الإنسان الطبيعي يمل من قراءات آلاف بل حتى مئات الصفحات من الكلام المتناقض غير المفيد بعكس الوضع مع الحقائق الإسلامية الفكرية التي يفهمها الناس لأنها واضحة وسهلة قال أ.م . بوشنسكي"والواقع أن إدراكنا أن حياة كاملة تقضى في البحث هي أمر ضروري لمعرفة فيلسوف واحد فقط" (1) وقال هنترميد:"أما أفكار معظم المفكرين الكبار فتصاغ عادة من خلال مصطلح فني أكثر تجريدًا ، ينبغي أن نتعلمه مثلما نتعلم المصطلح الخاص بأي علم ، وهذا المصطلح الفني هو في الوقت ذاته الحاجز الأكبر الذي يقف حائلًا بين معظم الفلاسفة وبين عامة الناس" (2) ونقول إن مصطلحات أي علم آخر متفق عليها كما في مصطلحات الكيمياء أو الطب أو الإسلام ، أما المصطلحات الفلسفية فهي آراء متناقضة ، وهي ترجع لآراء علمانية وليس للعلم الفكري ، كما أن هذا القول يجعل كأن العلم الفكري معقد وصعب وهو ليس كذلك ولكن ضياع العلمانيين هو الذي جعلهم يصنعون هرمًا عملاقًا معقدًا ومتناقضًا ، فالجهل العلماني حمى العلمانية وحمى الفلاسفة بالغموض والتعقيد حتى يظن الإنسان العادي أنه لم يفهم ما يقوله هؤلاء لأنه لم يصل إلى مستواهم من العلم والنور ، فالعلم الفكري لا يتم التوصل إليه
بكثرة المكتبات والكتب كما نشاهد في الغرب بل بما فيها من حق وباطل ، فالكثرة مع التناقض والاختلاف جهل وليس علمًا ، ولنتذكر دائمًا أنه لا يوجد شيء اسمه علم الفلسفة كما في علم الطب أو علم الفيزياء فأنت تقول يقول علم الطب ، ولكنك لا تستطيع أن تقول يقول علم الفلسفة لأنه لا يوجد علم بل توجد آراء متناقضة ، والأصح أن نقول يقول فلان الفيلسوف كذا ، ويقول الفيلسوف الآخر كذا ، ولو سألت العلمانيين هل قرأتم وفهمتم كل كتب الفلاسفة ؟ لقال كلهم لا ومع هذا يطبقون مالا يفهمونه وما يعتبر غامضًا ، فهم رفضوا تصديق واتباع رجال الكنيسة ومع هذا يتبعون رجال الفلسفة بإيمان أعمى وتقليد أعور ، أليس هذا تضييعًا للعلم والحقائق الفكرية بتصديق الفلاسفة المتناقضين ورفض تصديقهم الأنبياء المتفقين .
7)التصويت هو الحل: لجأ بعض العلمانيين إلى التصويت كطريق لحل خلافاتهم ، وهذا معناه أن ما سوف يطبق هو ما سيحصل على الأغلبية ، فلا يوجد حق ولا باطل ولا علم ولا جهل ، ولكن يوجد من ينال الأغلبية فيتحكم بالحياة وحتى لو كانت هذه الأغلبية جاهلة أو صاحبة مصالح فإن قرارها هو الصحيح لأنه لا بديل ولا طريق للوصول للحقائق ، فلتوزن الأمور بميزان الأغلبية فالحق يصبح باطلا ً إذا خسر الأغلبية والعكس صحيح ، فرضى الناس هو المقياس للحق لا العقل ولا الأدلة العقلية ، ولو طبقنا الأغلبية على المجال العلمي المادي لما استطعنا أن نصل إلى الحقائق المادية الكثيرة التي وصلنا لها ونعلم أن الحقائق المادية تخضع للتجربة والمشاهد والاستنتاج ، وما ثبتت صحته هو حقيقة حتى لو عارضها كل البشر ، وكذلك يجب أن تكون الحقائق الفكرية غير خاضعة لرأي ومزاج أغلبية ، ونمزقها بالحلول الوسط ، ونُعرضها للنوايا المخلصة والفاسدة لتحددها ، وستختلف هذه"الحقائق"من شعب إلى آخر ، والتصويت ضمن شروط يصلح لأمور معينة فكرية ، أما جعله العمود الفقري للوصول للحقائق والدساتير والقوانين والعقائد والحياة الاجتماعية والاقتصادية ... الخ فهذه كارثة علمية كبيرة، وهذا ما فعلته الحضارة العربية الرأسمالية أي إعطاء الجهل شرعية التطبيق من خلال التصويت ، وطبقوا التصويت حتى في المحاكم التي فيها حكم على دماء وأموال الناس، فعندما تقول العلمانية لا نريد أن يفرض أحد رأيه على الآخرين والمسألة للتصويت فهي تقول الحقيقة مرفوضة حتى لو كانت تملكها أقلية أو فرد فهي مرفوضة كعقيدة أو نظام أو قانون أو رأي ، فالحل هو التصويت ويعتبرون هذه مساواة بين الجميع وهي فعلًا مساواة بين