فهرس الكتاب

الصفحة 1002 من 2255

الحق والباطل والصواب والخطأ والإيمان والإلحاد بل إن حياد السلطة العلمانية ليس حيادًا حقيقيًا بل هو فعلًا تعصب علماني لأنه فرض المفاهيم العلمانية كالتصويت وغيره على الآخرين ، ومعناه أن الحكومة بلا مبادئ حتى إشعار آخر أي حتى يتم التصويت ، ومعارك التصويت هي التي ستحدد مبادئنا كدولة ، وستتجند كل الطاقات الفكرية والسياسية والاقتصادية لتنتصر لاقتناعاتها ومصالحها في ساحة الانتخابات والمجالس النيابية والأحزاب السياسية ، وفارق التصويت حتى لو كان قليلًا كما في الغالب هو ما سيحدد الحق من الباطل ، ولن تنتهي المعركة عند التصويت فسيحاول الخاسرون الاستعداد للمعركة القادمة ، وفي نفس الموضوع وقد يتغير القانون ويصبح حرامًا ما كان حلالًا أو العكس وهكذا ، ولا شك أن المشاركة الشعبية والتصويت سيؤديان إلى درجة كبيرة من التوازن بين القوى الرئيسة في الشعب من أغنياء وفقراء وانتماءات سياسية وعرقية .. الخ وسيؤدي الرأي الجماعي إلى الاعتدال والوسطية والواقعية وهذه الأمور ذات علاقة قوية بالعدل قال تعالى"وكذلك جعلناكم أمة وسطا"سورة البقرة 143 كما أن وجود الرقابة الشعبية وتداول السلطة سيوجد ضغوطًا على ممثلي الشعب تدفعهم للالتزام بالعدل في أحيان كثيرة ، ولكن هذا لا يعني أن التصويت هو الطريق إلى الحقائق الفكرية لأنه ينجح فقط في القضايا الاجتهادية الفكرية إذا توفرت الضوابط الصحيحة له ولكن بالتأكيد ليس مجاله القضايا الأساسية الفكرية مثل وجود الله وصدق الأنبياء والأحكام الاجتماعية والأسس السياسية والاقتصادية .. الخ فليس التصويت هو الذي سيحدد لنا الحق من الباطل في هذه القضايا وهي التي يختلف حولها الناس في عقائدهم العلمانية والدينية بمختلف مدارسهم القديمة والحديثة فالأحتكام فيها للعقل لا للتصويت ، كما أن التصويت يتأثر بالعصبيات السياسية والعرقية والطبقية والمصالح والتحالفات وشراء الذمم والصفقات السياسية والعداء الشخصي وفساد الضمائر والعقائد المتناقضة للمصوتين .. الخ ، وكل هذا يجعل دور"العقل"داخل المجالس الديمقراطية وفي اختيار أعضائها دور ضعيف وهذا واقع يعرفه كل منصف .

8)ركوب الحصان المادي: استغلت العلمانية التقدم العلمي المادي وجعلت الناس يظنون أنها التي كانت خلفه ، وهذا جزئيًا صحيح وبالتالي فما تقوله في القضايا الفكرية هو أيضًا صحيح ، فإذا قالت:"الدين أفيون الشعوب صدقوها وإذا قالت المصلحة في فصل الدين من السياسة فصدقوها ، وقالت العلمانية لم يعد هناك مكان إلا للعلم ، وهي تقصد العلم المادي،"

ومع هذا فالكلام والاختلاف معها هو في العلم الفكري ، فالتقدم العلمي المادي ستر العلمانية وضلل كثيرين ، وخلط الأوراق أي زاد في نسبة الجهل الفكري العالمي وإذا أضفنا إليه ما حققه التقدم العلمي المادي من غنى وإبداع ورفاهية مما جعل الناس تصدق كثيرًا مما تقوله العلمانية، فالناس أو كثير منهم لا يهتمون إلا بالمال والقوة العسكرية والرفاهية ، ولا يهمهم الحقائق الفكرية فأمريكا هي القوية والغنية ونريد أن نقلدها وهذا هو الهدف الأول للكثيرين ، ولكن تأكدوا أن الحقيقة أقوى وأغنى من أمريكا العظمى فالعلم المادي حقق قفزات كبيرة ، نعم، ولكن العلمانية لم تحقق إلا الفشل والضياع ، فالعلمانية الكسيحة صعدت ظهر الحصان المادي القوي فظن الناس أن التقدم مشترك في حين أن الحقيقة غير ذلك ، كما أن العلمانية جعلت الناس تعتقد أن التقدم المادي العلمي هو الابن الشرعي لها ، وهذا خطأ فالعلمانية ساهمت في بعض النجاح لأنها تستخدم التفكير والتحليل والنقاش ، ولكن تطور العلم المادي خلال القرون الأخيرة حدث لأسباب أخرى أيضًا منها التنافس الاستعماري والقومي بين الدول الأوروبية ، وارتباط العلم والتكنولوجيا بمصالح اقتصادية وأموال وتجارة ، فلم يعد العلم قضية تهم العلماء فقط ، ولهذا حدثت استثمارات مالية كبيرة في البحث العلمي ، واهتمت الدول والشركات في الاستثمار العلمي المادي ، وإذا أضفنا إلى هذا أن العلوم المادية كانت موجودة منذ آلاف السنين سواء في الأقمشة أو التحنيط أو الطب أو صناعة السفن أو الفلك أو غير ذلك ، وهذه حقيقة تاريخية ، فإن اقتناع البعض أن العلمانية والتقدم المادي وجهان لعملة واحدة ساهم في انتشار الفكر العلماني اعتمادًا على قوة الرصيد النقدي للعلم المادي .

9)الجدل البيزنطي هو العلم: من الأمور الغريبة أن البعض رفض الهدف الرئيس للفلسفة والعلمانية والذي هو الوصول للحقائق الفكرية ، وجعل هدفها هو النقد والنقاش والحوار أي نقد الأفكار والمبادئ ، و"فتح الأبواب أمام العقل"بطرح أسئلة جديدة ، فكأنها إذا فعلت هذا فقد قامت بواجبها وهذا اعتراف ضمني بالعجز الفلسفي العلماني فهو يقول ليس مهما أن أصل إلى الهدف"الحقائق"يكفي أنني أمشي للأبد باحثًا عن الحقائق ، فالمهم تأليف كتب في نقد الآخرين أو تشويههم ، ولكن إذا سألتني ما هو الصحيح وأين الحق ؟ فلا أدري أي أدري أنك على خطأ ولا أدري أين الصواب وبإمكان الفلسفة العلمانية أن تثير الشبهات حول الإسلام وتتهمه بتهم باطلة وتشوهه ، وإذا قلت لهم جدلًا نعم نحن نتفق معكم فما هو نظامكم العقائدي والسياسي والاقتصادي .. الخ ؟ قالوا لم نتفق حتى الآن ، أو قال بعضهم

إنه النظام الرأسمالي ، وقال آخرون إنه النظام الاشتراكي وقال غيرهم غير ذلك وكل هذه أنظمة علمانية ومع هذا لا تعطي العلمانية أي شرعية لأي منها ولا تستطيع ذلك ، كما لا تستطيع إلغاء الصفة العلمانية عن أي منها ، والعلمانية تهاجم وتنتقد وتهدم الأديان وحتى المبادئ العلمانية الأخرى ، ولكنها لا تبني بيتًا متكاملًا للبشر ، وهي تعتبر البيوت الفكرية زجاجية ، ولا تبني حتى بيتًا زجاجيًا مثلها بل تكتفي أن تقول كلمات قليلة هي اتبعوا العقل وهو سيهديكم ، وما تقوله لا يختلف معها أحد ولكن عقل العلمانية عجز عن بناء فكر لها يهديها فالعلمانية جعلت نقد الآخرين هو فكرها وأحيانًا تتبرأ منه أو من أجزاء منه، فالذي يريد أن يحارب العلمانية يحتار فهي أحيانًا بلا وجه ولا ملامح ، وأحيانًا بملامح كثيرة متناقضة ، وإذا وجهت سهامك إلى نموذج علماني ثبت فشله يتبرأ منه العلمانيون ، فهي أحيانًا لا شيء وأحيانًا كل مبدأ علماني وأحيانًا بعض المبادئ والآراء حسب مزاج العلماني ، وكل علماني يختلف عن الآخر فكيف إذن سيحددون حقائقهم العلمانية ؟ وكيف ستستطيع مناقشتهم وحالتهم من الجهل والغموض لهذه الدرجة ، وما ينطبق على العلمانية ينطبق على الفرد العلماني ، فإذا قالوا هذا الفرد علماني فأنت لا تعرف ملامحه الفكرية ، وهل هو رأسمالي أو شيوعي أو عنصري وما هي عاداته الاجتماعية .. أما إذا قالوا هذا مسلم ، وأقصد المسلم الملتزم فإنك تعرف طريقة تفكيره ، وتستطيع أن تبني علاقة معه من خلال معرفتك للإسلام ومبادئه ، ومن هنا ندرك أن الزواج العلماني زواج بين أطراف غامضة ومتناقضة في حين أن الزواج الإسلامي هو بناء علاقة على أسس واضحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت