فهرس الكتاب
"المجهولة"، واتجاه ضدها ، واتجاه مع الأغنياء ، واتجاه مع الفقراء ، واتجاه مع أعراق معينة ، واتجاه مع أعراق أخرى ، وهذه اختلافات جذرية وليست اجتهادية يمكن القبول بها كالاختلافات بين أصحاب المبدأ الواحد ( الإسلام أو الرأسمالية أو الشيوعية ) حيث الاختلاف حول الأولويات أو الفرعيات والاختلاف الجذري هو بين حق وباطل ، وهو منبع الفتنة وجعل الكثيرون يعيشون في دائرة الاختلافات الجذرية مما أضر مجتمعاتهم وجعلهم يدورون في حلقة مفرغة منعتهم من الانتقال لقضايا هامة ومواضيع جديدة وتحديات معاصرة ، فكل اتجاه له آراؤه وأفكاره وأدلته العلمانية من منطق وتاريخ وأحداث معاصرة ... الخ وهذا الاختلاف والشر ثمرة العلمانية أو التأثر بها جزئيًا في حين أن التقسيم الصحيح هو من مع الله سبحانه وتعالى ومن مع الشيطان ؟ من مع الحقائق الفكرية ومن ضدها أي من مع الإسلام ومن مع الكفر والشرك ؟ وكانت العلمانية تقول أن العقل العلماني سينقذ البشرية من الحروب والتعصب الديني والاختلاف فإذا العكس صحيح ، كما أن الدين الصحيح ليس مصدرًا للتعصب أبدًا ، وإذا حدث تعصب منسوب للدين فهو خطأ من البشر لا من الدين ، أما حروب الدين الصحيح فهي حروب لنصرة الحقائق الفكرية أي العدل الحقيقي والعقائد الصحيحة .. الخ ، أما حروب العلمانية فهي حروب مصالح مادية أو أوهام فكرية ، وظن العلمانيون وما أكثر ما يظنون أن استعداد العقل العلماني لمناقشة مختلف الآراء سيوصلهم للحقائق ، ولم ينجحوا ، وظنوا أنهم سيكونون بعيدين عن التعصب لآرائهم فشاهدنا صراعًا عنيفًا بن العقائد العلمانية في القرن العشرين عندما تحولت آراء الفلاسفة إلى عقائد وأحزاب ودول رأسمالية وشيوعية ونازية وشاهدنا ألوانًا من التعصب في أفكارهم وأقوالهم ومواقفهم ، وترجم هذا التعصب إلى اضطهاد وسجون وتعذيب وقتل وحروب.
الطريق إلى الحقائق الفكرية
كيف نصل للحقائق الفكرية ؟
بعد أن أثبتنا عجز العقل العلماني في الوصول إلى الحقائق الفكرية فإنه من المهم أن نذكر أن الخطأ ليس في العقل ولكن في الطريقة العلمانية في استخدامه أما الطريقة الصحيحة فهي الطريقة الإسلامية والتي تدعو إلى البحث أولًا في القضايا الكبرى أي في وجود الله سبحانه وتعالى وصدق الأنبياء كما قال أرسطو"إن أرقى العلوم هو علم المبادئ الأولى الذي سماه الفلسفة الأولى أو الميتافيزيق أو اللاهوت" (1) أما نقاش قضايا فرعية فلن يوصلنا إلى نتائج حاسمة فالمقارنة بين اقتصاد رأسمالي واقتصاد شيوعي واقتصاد إسلامي مقارنة محدودة الفائدة ، وهناك تبريرات منطقية من الصعب بيان صوابها أو خطئها فنحن بحاجة إلى التركيز على القضايا الكبرى وما هي أدلتها العقلية ؟ وما مدى صحة هذه الأدلة ؟ فإذا كان الدليل العقلي صحيحًا قبلنا الفكرة وقلنا إنها حقيقة فكرية أما إذا كان الدليل العقلي خاطئًا رفضناها واعتبرناها باطلة والقضايا الكبرى هي الأصول والأساس والمنابع للعقائد والنظمة والأخلاق والشعارات والدساتير والقوانين ومفاهيم الحرية والعدل والمساواة المطروحة على الساحة ، فالشيوعية كمبدأ قائم على عدة أصول أهمها أنه لا يوجد خالق لهذا الكون ، فإذا ثبت وجود خالق بطريق عقلي فالشيوعية مبدأ قائم على الخطأ والوهم والظن والجهل ، وإذا ثبت أن محمدًا نبي فإن الإسلام دين صحيح ، وهو منبع الحقائق الفكرية ، وكم ضل كثير من البشر في الوصول إلى الحقائق الفكرية لأنهم سلكوا طرقًا خاطئة قال الغزالي رحمه الله:"اختلاف الخلق في الأديان والملل ، ثم اختلاف الأمة في المذاهب على كثرة الفرق وتباين الطرق ، بحر عميق غرق فيه الأكثرون، وما نجا منه إلا الأقلون" (2) .
الدليل الفكري للملحدين: ولنطالب المسلمين والملحدين بإعطاء أدلة تثبت أن مبادئهم تقوم على أدلة عقلية ، سنجد الملحدين يقولون أن دليلهم الفكري هو أننا لا نرى الله فهو أذن غير
موجود ، ولنسألهم أين بحثتم عن الله ؟ وما الأماكن التي بحثتم عن الله فيها فلم تجدوه ولم تشاهدوه ؟ وهل بحثتم في الكرة الأرضية ؟ نعم تستطيعون أن تقولوا ذلك ، هل بحثتم عنه في المجموعة الشمسية ؟ نعم تستطيعون أن تقولوا ذلك ، ولكنكم نسيتم أن تناسيتم حقيقة علمي مادية وهي أن في هذا الكون عشرات الآلاف من النجوم والكواكب لم تبحثوا فيها عن الله ويكفي أن نعرف أن في هذا الكون نجومًا تبعد عن الأرض أكثر من عشرة ملايين سنة ضوئية والسنة الضوئية أطول بكثير من السنة العادية بمعنى لو خرج ضوء من أحد هذه النجوم البعيدة في هذه اللحظة سيصل إلى الكرة الأرضية بعد اكثر من ثلاثين مليون سنة عادية ، فهل بحث الملاحدة ومنهم الشيوعيون في هذه الأماكن ، ولم يجدوا الله ولم يشاهدوه أنهم كمثل من بحث عن فرد في جامعة الكويت ، فلما لم يجده قال إن هذا الشخص غير موجود في الكرة الأرضية كلها ، فهل هذا كلام علمي أو منطقي ؟
إذن فالدليل العقلي الذي يبني عليه الملحدون كلامهم دليل غير صحيح ، فاعتقادهم بعدم وجود الله ليس إذن حقيقة علمية ، ثم أن الله سبحانه وتعالى ليس مخلوقًا نبحث عنه هنا أو هناك بل هو خالق هذا الكون بما فيه من كواكب ونجوم وبشر قال الله تعالى"وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون"67 سورة الزمر .
الأدلة الفكرية للمؤمنين بوجود الله: والآن تعالوا لنسأل الذين يؤمنون بوجود الله عن دليلهم الفكري وسنجد لديهم دليلين أولهما: أن هناك خالقًا لكل شيء منظم ، فعندما نشاهد طائرة أو سيارة أو تلفاز نعرف أن هناك من صنع ذلك ، فالطائرة بها خزان للوقود وعجلات للإقلاع والهبوط ومحركات وأماكن مكيفة وأجهزة كهربائية لقياس الارتفاع والضغط ، فالطائرة عبارة عن نظام متكامل ويوجد تنسيق بين أجهزتها ، وهذه الطائرة لم توجد صدفة لأن البشرية خلال تاريخها كله لم تجد طائرة تكونت بالصدفة ، ولا حتى سيارة أو دراجة بخارية أو هوائية ، فلابد أن يكون هناك صانع لكل نظام متكامل دقيق ولو قارنا الطائرة بالأرض أو الكون لوجدنا أن الأرض أكثر نظامًا والإنسان أكثر تعقيدًا ودقة من الطائرة فلابد أن يكون هناك من صنع الأرض والإنسان والكون ، فالكون يسير وفق نظام دقيق متوازن ، قال تعالى"الذي خلق سبع سماوات طباقًا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ( 3 ) ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئًا وهو حسير (4 ) سورة الملك وقال تعالى"أم
خُلقوا من غير شيء أم هم الخالقون (35) أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون"سورة الطور 36) وباختصار لابد أن يكون هناك من صنع هذا الكون ، والشواهد في الكون كثيرة. قال تعالى:"سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد" (53) سورة فصلت وقال الله تعالى"هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين" (11) سورة لقمان ."