فهرس الكتاب

الصفحة 1019 من 2255

أن تلك الفلسفة هي التي تقابل تصور العالم عند كائن بلا إيمان أو عقيدة ، بلا عائلة ، وبغير هدف في الحياة ، كما قال بعضهم" (1) وأقول هذا هو جان بول سارتر الفيلسوف المشهور تنبع أفكاره من اليأس لا من العقل ، فالمسألة أصبحت فوضى فكرية ضيعت الحقائق الفكرية حتى لو أصابت في حالات جزئية فإعطاء مختلف الآراء والإجابات على مشكلات الإنسان يجعل بعض الإجابات صحيحة ، ونذكر هنا أنه ليس كل ما تقوله الرأسمالية أو الشيوعية أو غيرهما خطأ بل هم يتفاوتون في نسبة صوابهم وخطئهم ، ولكن الأخطاء الكبيرة هي السائدة في عقائدهم وفكرهم قال الدكتور مصطفى محمود"ومن هذه الأمور أيضًا"علم النفس"وهو ليس بعلم على الإطلاق ، ولا ينطبق على بحوثه التي قدمها فرويد وأدلر وغيرهما شروط العلم الواجبة .... فلا هو يقيني ، ولا هو موضوعي بل هو مجموعة نظريات وفروض وتخمينات اختلف فيها أصحابها وتناقضوا وكذب كل منهم الآخر" (2) وقال الأستاذ وحيد الدين خان"ولقد بلغ الصراع بين مختلف مدارس علم النفس أقصاه لدرجة أن بعض العلماء قد ذهب إلى إنكار وجود شيء اسمه"علم"فيما يتعلق بالنفس" (3) والأفضل أن نقول الدراسات النفسية لأن ليس كل ما فيه علم ، بل فيه علم ( أي حق وصواب ) ، وفيه جهل"أي باطل وخطأ ، وما ينطبق على علم النفس ينطبق على علم العقيدة ، وعلم الاقتصاد وعلم الزواج ، وعلم العبادة ، وعلم الأسس السياسية ، وعلم الأخلاق ، وعلم الإصلاح ، وعلم تربية الأبناء .... الخ فالكلام فيها كثير ومتناقض ، فالعلمانية هي التي شوهت كل هذه العلوم ، وحولت محتوياتها ، إلى آراء متناقضة لا يعرف الدارس لها أيها الصواب وأيها الخطأ وتركت ذلك لإقتناعه الشخصي وجعلت البشر حقول تجارب لاقتناعات شخصية لعلماء العلمانية ، أما من درس الإسلام وفهمه فهو لديه كل أنواع العلم الفكري من عقيدة وسياسة وتربية واقتصاد وأخلاق ... الخ قال تعالى"ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور"سورة النور (40)

ـــــــــــــــــــــ

(1) ص 286 الفسلفة المعاصرة في أوروبا أ.م. بوشنسكي ترجمة د. عزت قرني

(2) ص 78 لماذا رفضت الماركسية د. مصطفى محمود

(3) ص 90 الدين في مواجهة العلم الأستاذ وحيد الدين خان

لماذا انتشرت العلمانية ؟

ذكرت سابقًا الضعف العقلي والعلمي للعلمانية وإنه ليس لها نصيب من الحقائق الفكرية ومن القوة الفكرية ، ومع هذا نجد أنها كفكرة منتشرة ونجد عقولًا كثيرة مقتنعة بها والسؤال الطبيعي هو لماذا انتشرت ؟ والجواب أن لذلك أسبابًا كثيرة لعل أهمها:

1-انحراف رجال الدين المسيحيين: احدأهم أسباب انتشار العلمانية هو انحراف رجال الدين المسيحيين في العصور الوسطى وخاصة في معارضتهم لحقائق مادية قال الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق"وعندما بدأ عصر النهضة الأوروبية ، واكتشفت بعض العلماء حقائق جديدة عن الأرض والكون والحياة هب الرهبان والقساوسة ينكرون ذلك ، ويتهمون من يعتقد بالحقائق الجديدة ويصدق بها بالكفر والزندقة ، ويوعزون إلى السلطات الحاكمة بقتلهم وحرقهم بالنار ، ولقد لقي كثير من العلماء هذا المصير المؤلم جزاء مخالفتهم لآراء الكنيسة ولكن حركة العلم لم تتوقف واستطاع العلماء أن يقدموا كل يوم براهين جديدة على نظرياتهم العلمية، وأبتدات آراء الكنيسة ومعتقداتها تُهزم كل يوم هزيمة جديدة، وكانت الجولة في النهاية لعلماء المادة على رجال الكهنوت فاندفع الناس نحو الإيمان بالعلم المادي كإله جديد سيحمل الرخاء والقوة والرفاهية للناس" (1) وقال"لقد كانت الكنيسة الأوروبية سببًا غير مباشر أحيانًا وسببًا مباشرًا أحيانًا أخرى في نشر الإلحاد والزندقة والكفر الكامل بوجود الله وذلك لأن القائمين على هذه الكنيسة من الرهبان والقساوسة أدخلوا في دينهم كثيرًا من الخرافات والخزعبلات وجعلوها، عقائد دينية"وقال الشيخ عبد الرحمن"وفتش الناس أسرار الكنيسة فها لهم ما رأوه من فساد أخلاقي بين الرهبان والراهبات ، وأرادوا التخلص ، إلى غير رجعة من السلطان الكهنوتي والقهر الزمني الذي مارسته الكنيسة ضدهم ومن الإتاوات والضرائب التي فرضتها الكنيسة على رقابهم ، فكان الرفض الكامل لكل"

المعتقدات الدينية ، والكراهية العامة لكل عقيدة تنادي بالغيب ، واتهام الرسل جميعًا بالكذب والتدليس ، وهكذا برزت الموجة الأولى من موجات الإلحاد العالمي" (1) فالكنيسة قالت إن المرض من الشياطين ويمكن مداواته بإقامة القُداس والتمسح بالصلبان وأثبت الطب ( العلم المادي ) خطأ ذلك ، وقالت إن الأرض مسطحة ، وأثبت الفلك ( العلم المادي ) أنها كروية ، فأصبح الإنسان العادي لا يستطيع أن يعتنق المسيحية إلا إذا ألغى عقله ، فالكنيسة عارضت بعض الحقائق العلمية المادية نتيجة تحريف التعاليم المسيحية ، أو خطأ في التفسير ، كما أن فساد رجال الكنيسة وتحالفهم مع الأنظمة الحاكمة سبب غضب الفقراء والناس عمومًا ، وأدى إلى النفور منهم ، فالصراع الحقيقي هنا ليس بين دين صحيح وعلم صحيح وبين علم فكري صحيح وعلم مادي صحيح ، بل هو بين علم مادي صحيح وتحريفات وتفسيرات خاطئة حدثت للمسيحية ، كما أن انحراف رجال الكنيسة ليس دليلًا على خطأ المسيحية أو الدين، فالانحرافات البشرية موجودة في كل العقائد السماوية والعلمانية ووجدنا أيضًا علماء مسلمين منحرفين في سلوكهم ، فتجد المنافق وتجد المتطرف وهكذا فالحقيقة هنا هي انتصار العلم المادي على الأخطاء والانحرافات التي نسبت زورًا للمسيحية وننبه هنا إلى أن العلماء الماديين تطرفوا في عدائهم لرجال الكنيسة التي اضطهدتهم ، وجعلوا كل تطور مادي يحققونه كأنه هزيمة للكنيسة وعلمائها مع أن تخصصهم هو العلم المادي ، وتخصص الكنيسة هو العلم الفكري ، والمفروض أن يرفض أجزاء من المسيحية لا كل المسيحية واعتبارها رجعية وأساطير ، فالعقل الأوربي تشكل من خلال الصراع والاضطهاد والثأر والعواطف ورد الفعل والفهم الخاطئ وخلط الأوراق ، وليس من خلال بحث عقلي أمين ، قال الدكتور عبد الحليم عويس:"فالأناجيل مع اختلاف في الدرجة إنما هي صياغة شخصية لأفكار وانطباعات فردية عن المسيح، وليست نصا صادرًا مباشرة عن المسيح أوحاه الله إليه" (2) وقال"أما الجانب الآخر من القضية ، ففي رأينا ورأي من نعرف من الدارسين المحايدين أن النص القرآني هو النص الوحيد

ـــــــــــــــــــ

(1) ص 11 المصدر السابق

(2) ، (3) ص 35 ص 36 لا نزاع بين الدين والعلم في المنهج والموضوع د. عبد الحليم عويس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت