فهرس الكتاب
الصادر عن الله بألفاظه ومعانيه" (3) والتطرف الأوروبي جعله يعتبر كل دين خطأ وخرافات قياسًا على ما حدث عنده حتى لو لم يدرسه ويعرفه، وحتى لو لم يجد فيه أي تناقض مع العلم المادي، أو العقل السليم، ووجدنا هذا عند بعض العرب ممن درسوا في أوروبا وأمريكا فقد عادوا بعقائد علمانية وهم لم يعرفوا حقيقة ما حدث في أوروبا، ولا حتى حقائق واقعنا حيث لا توجد عندنا مشكلة في الصراع بين الإسلام والعلم المادي، ولا في أي عقائد يقولها الإسلام ويعارضها العقل الواعي، بل كل ما فعلوه أنهم قلدوا أوروبا والتقليد ليس علمًا، قال الدكتور محمد عمارة"المستغربون استعاروا مشكلة أوروبية كي يستعيروا لها حلًا أوروبيًا"وقال الأستاذ عبد الرحمن بن عبد الله الجبرين عن من تأثر من الشباب العربي بالعلمانية ممن درس في أمريكا والغرب"فهم عندما واجهوا الغرب واجهوه بقلوب فارغة وعقول خاوية ونفوس مجردة من معاني الأصالة والعزة واستقلال الشخصية، واجهوه مواجهة سطحية من مواطن الجهل والذلة والشعور بالدونية والهزيمة ، فانبهروا بكل ما عنده دون مناقشة" (1) وقال عن العلمانيين بشكل عام"وداء العلمانيين الأول الذي جرهم إلى ما هم فيه هو الجهل بدين الإسلام" (2) "
2-القدرة العلمانية على تشويه الحقائق الفكرية: يؤدي استخدام العقل بالطريقة العلمانية إلى القدرة على تشويه أي عقيدة أخرى من خلال المبررات المنطقية التي تكلمنا عنها سابقًا، فإذا سجد المسلم لخالق هذا الكون قالوا هذا إضاعة لوقت يمكن استخدامه في الإنتاج، وإذا تبرع المسلم لفقير قالوا هذا تشجيع للكسل أو أن هناك أهدافًا سياسية لهذا العمل، وإذا سكت عن انحراف الأنظمة أو نصحها سلمًا قالوا هذا عميل أو من وعاظ السلاطين، وإذا حمل
ـــــــــــــــــــــــ
(1) ، (2) ص 21 ، ص20 رسالة الإصلاح الأستاذ عبد الرحمن بن عبد الله الجبرين
السلاح عليها قالوا هذا إرهابي ويزعزع الأمن والاقتصاد ، وكان بعض العلمانيين العرب يتهمون الاتجاه الإسلامي في الخمسينات والستينات بأنه عميل لأمريكا لأنه يعادي الشيوعية وبعض الأنظمة العربية ، واذكر جواب عالم فاضل عندما سُئل: هل يجوز شراء أجهزة كمبيوتر تمت صناعتها في دولة أسيوية من دون رخصة من الشركة الأمريكية الأم لأنها تباع بسعر رخيص فقال: لا يجوز ، ثم ابتسم وعلق"فتوى أمريكية"، والطريف أن أغلب العلمانيين العرب وخاصة الشيوعيين والاشتراكيين أصبحوا اليوم حلفاء وأصدقاء لأمريكا بعد أن كانوا يعادونها ويتهمونها بالإمبريالية وأنها العدوة رقم واحد للأمة العربية ، فالعقل العلماني نجح في تشويه كثير من الأمور والحقائق فقال عن الإسلام ليس به ديمقراطية ، وأنه يضطهد المرأة وأنه ضد الحريات وأن علماء الإسلام الواعين ، أما جامدون وأما متطرفون وإما أصحاب مصالح وإما غير ذلك ولم يتركوا تقريبًا عقيدة أو حكمًا إسلاميًا إلا ووجهوا إليه سهامهم ، وحتى الأعمال الخيرية عادوها وشوهوها وكل أو أغلب ما قالوا غير صحيح إذا استثنينا الممارسات البشرية والأخطاء الاجتهادية ، فالإسلام هو دين الشورى منذ أربعة عشر قرنًا أما تطبيقها في الواقع فهو مسؤولية البشر لا الإسلام ، وقد طبقها بصور مختلفة كثير من الحكام المخلصين على مدى تاريخنا الإسلامي ، والحرية الواعية الصحيحة هي تلك الموجودة في الإسلام وحقوق الإنسان عرفناها قبل أن نعرف الغرب بقرون كثيرة ، ومكانة المرأة في الإسلام ، وعند المسلمين الملتزمين أفضل مئة مرة من مكانتها الموجودة في الغرب وسنتكلم عن بعض هذه الأمور لاحقًا ، وما نريد أن نصل إليه أن العلمانية شوهت كل خصومها ، ومنهم الإسلام من خلال اتهامات ليست لها أدلة صحيحة ، وهي أصابت أحيانًا في نقدها للعقائد الخاطئة ، ولكنها أخطأت في فهمها للإسلام ، وسلاح التشويه يستخدمه العلمانيون ضد بعضهم البعض كما حصل بين الرأسمالية العلمانية والشيوعية العلمانية وكما نشاهده يحدث بين التجمعات والأحزاب والدول العلمانية في كل مكان وزمان.
3-الأقنعة الكثيرة: أحد أسباب نجاح العلمانية هي قدرتها على التأقلم وتغير أقنعتها ، وهذا يؤدي إلى بقائها على الساحة ، فالمبررات المنطقية العلمانية تجعلها قادرة أيضًا على الدفاع عن أي فكرة أو نظام أو حاكم أو مصلحة أو عقيدة سواء كانت صحيحة أو خاطئة ، فهي تتأقلم مع الواقع فأحيانًا هي شيوعية وأحيانًا هي رأسمالية ، وأحيانًا هي نازية ، وأحيانًا هي قومية أو وطنية ، وأحيانًا مع الأغنياء ، وأحيانًا مع الفقراء ، فكل هذه المبادئ علمانية فالعلمانية لم تطرح نظامًا فكريًا وسياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا واحدًا سيثبت الواقع والعقل نجاحه أو فشله ، بل هي تتحرك بألف وجه ، فالشيوعية سقطت ، ولكن العلمانية بقيت لأنها تتبرأ من الشيوعية بعد سقوطها مع أن الشيوعية أكثر علمانية من الرأسمالية ، وأصدق في علمانيتها في حين أن الرأسمالية تقبل الحلول الوسط ، ولا تبحث عن الحقائق الفكرية ، فالعلمانية تتأقلم مع الواقع وتغيير جلدها وتنوعه ، وبالتالي تبقى كاسم ، وتصلح لأي نظام وأي فكر وأي حاكم سواء كانوا صادقين أو كاذبين ، فالعلمانية تفتح الأبواب لهم ليقولوا ما شاءوا والمبررات المنطقية العلمانية ستساندهم ، وابتعاد العلمانية عن تحديد فكر وأنظمة وعقائد محددة ومفصلة جعلها تتبرأ ممن يسقط أو يفشل وتنسب إليها من يبقى وينجح جزئيًا فاليوم أمريكا قوية فإذًا العلمانية هي الرأسمالية ونسي الناس أن الشيوعية علمانية أيضًا ، فالعلمانية يؤيدها مخلصون ضائعون اقتنعوا بأحد وجوهها الكثيرة ، ويتبنى بعض هذه الوجوه فئة غير مخلصة لا تهمها المبادئ بل تسعى لمصالحها وانحرافاتها وشهواتها ، فمثلًا المنحرف أخلاقيًا يجد في بعض الفلسفات العلمانية ما يؤيد أفكاره وانحرافه ، ويعطيه الشرعية العلمية المزورة ، فيعتبر هذا حرية شخصية ، ومن يكره الأغنياء سيجد فيها أيضًا أفكارًا اشتراكية وشيوعية كلية أو جزئية تبرر أفعاله وأقواله ، وهكذا بالاستناد إلى العقل المجرد يمكن تبني أي عقائد منحرفة بل يمكن اختراع فلسفات جديدة علمانية لإثبات"صحة"أي عقيدة منحرفة ، فوجودها على الساحة العالمية ليس دليلًا لإثبات"صحة"العلمانية ، وليس دليلًا على قوتها الفكرية ، بل لأنها ثوب يستطيع أن يلبسه من يشاء لأنه ثوب ليس داخله فكر أو محتوى ثابت.
4-المتاجرة بالشعارات والأهداف العامة: نجحت العلمانية نجاحًا كبيرًا في جعل نفسها من خلال الشعارات والأهداف العامة وغيرهما كأنها المنقذ للإنسانية ، فهي التي تطالب بالحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية وإنصاف المرآة ، وهي أم التقدم العلمي المادي والتكنولوجي، وهي منبع الحضارة والغنى والرفاهية، وهي التي ستقضي على الحروب وعلى التعصب الديني