فهرس الكتاب

الصفحة 1021 من 2255

لأن الجميع سيحتكم للعقل، وتزعم العلمانية بأنها عدوة الاختلاف والتفرق مع أنها المصنع الأول له في العالم وأنها مع التسامح الديني وحرية القول، هذه الأمور بحاجة إلى تفصيل، فإذا كانت العلمانية الرأسمالية نجحت في أمور كثيرة من الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية فأن العلمانية الشيوعية فشلت فشلًا ذريعًا، فلماذا نأخذ الوجه الرأسمالي للعلمانية، وننسى الوجه الشيوعي، كما أن هناك كثير من الأنظمة العلمانية الرأسمالية في الدول النامية ليست ديمقراطية، ولا تحترم حقوق الإنسان مع أنها أنظمة وشعوب علمانية وليست دينية، وكذلك بالنسبة للغنى والفقر فليست كل الأنظمة العلمانية غنية ، وليست كل الأنظمة الأخرى فقيرة، كما أن العلمانية الغربية كما في أمريكا وأوروبا من أسوأ الأنظمة في العالم في مجال حياة المرأة وتعاستها وسنتطرق إلى هذا الموضوع لاحقًا ، إن شاء الله ، وهناك قضية مهمة جدًا وهي أن الشعارات والأهداف العامة هي خلف كل المبادئ الرئيسة أي هي أهداف لا خلاف عليها ، فلا يوجد مبدأ يقول إنني ضد الحرية أو ضد الشعب أو ضد العدل أو ضد حقوق الإنسان فالمسلمون والمسيحيون وحتى الشيوعيون يقولون هذه أهدافنا الرئيسة ، ولكن العلمانية الرأسمالية نجحت في إعطاء صورة مزورة كأنها الوحيدة الساعية لذلك وكأنها الوحيدة التي نجحت في ذلك ، وهي أيضًا نجحت في إخفاء فشلها ، أما بالنسبة للربط بين العلمانية والديمقراطية فهو أيضًا ربط خاطئ ، فالشيوعية علمانية ولكنها ليست ديمقراطية ، كما أن الشورى جزء من المنهج الإسلامي منذ أربعة عشر قرنًا ووجدت أنظمة تشاور شعوبها على مدى التاريخ ، ولكن بصور متنوعة فالمبدأ نفسه موجود قال تعالى"وأمرهم شورى بينهم"سورة الشورى 38 وقال تعالى"وشاورهم في الأمر"سورة آل عمران 159 ومن الكذب الذي قالت به العلمانية أنها تستخدم العقل كأن البشرية على مدى تاريخها لم تستخدم العقل مع أن كل إنسان مثقف محايد يعلم أن التاريخ البشري مملوء بالكتب والحوارات والآراء والعلم والدراسة والبحث بين المؤمنين والملحدين ، وبين أهل الأديان السماوية وبين مختلف العقائد ، وهناك حوارات عقلية بين موسى عليه السلام وفرعون ، وبين إبراهيم وقومه ، ونجد في كتب علماء المسلمين القديمة مختلف المناقشات والأدلة العقلية والحوارات بينهم وبين غيرهم وبينهم أنفسهم ، ولكن للأسف أكثر الناس لا يقرأون ولا يبحثون بل هم سطحيون يصدقون ادعاءات العلمانية واتهاماتها للغير، ومنها أنها الوحيدة ضد الخرافات والبدع والسحر وهي أمور حطمها الإسلام وعارضها وبينها في آيات قرآنية واضحة وصريحة ، فالعمل السحري

مرفوض فهو من الذنوب الكبيرة والشورى تم تطبيقها وحرية العقيدة تم احترامها وحمايتها وتعليم المرأة هدف إسلامي فمن المعروف أن عائشة رضي الله عنها زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت عالمة ، وتعليم الناس ومحاربة الجهل والخرافات والظلم هو عمل قام به علماء واعون عل مدى تاريخنا الإسلامي ، ولكن العلمانية شوهت هذا التاريخ ، ولم تر فيه إلا صفحات سوداء ، وتجاهلت الصفحات البيضاء بل نسبت الصفحات السوداء للإسلام لا للبشر ، كما أن العلمانية نسبت إليها التقدم العلمي المادي وجعلت نفسها أما له في حين أن العلم المادي كان موجودًا على مدى التاريخ ، وصحيح أن العلمانية كانت أحد العوامل التي شجعته ولكن هناك عوامل أخرى هامة مثل التنافس الاستعماري الأوروبي ، والتنافس القومي ، وارتباط العلم المادي بالاقتصاد والشركات ، فلم يعد قضية تهم العلماء بل أصبح يهم الدول والأغنياء ، وله أثر هام في كسب الحروب وتأثير الحروب في التطور التكنولوجي كبير ، فكل هذه العوامل ساهمت في التقدم العلمي المادي، ومن البديهيات المعروفة أن الإنسان يدرس اليوم البحث العلمي والكيمياء والطب والفيزياء دون أن يسمع كلمة علمانية ، وهذه العلوم المادية تنجح في بيئة إسلامية أو مسيحية أو بوذية وليس فقط في البيئة العلمانية ، كما أن الدين الصحيح لا يعارض ولم يعارض التقدم العلمي المادي لا في تاريخنا الإسلامي ولا في زمننا الحالي ، بل إن حتى رجال الكنيسة لم يعارضوا من العلم المادي إلا ما ظنوا أنه يخالف المسيحية ، أما أغلبية العلم المادي والتقدم به على مدى التاريخ من صناعة سفن وأقمشة وأسلحة وهندسة مدنية وزراعة .... الخ فلم يتم معارضتها ، وفي نفس الوقت الذي قامت العلمانية بنسبة كل خير وتقدم في العصور الحديثة لها حتى لو لم يكن لها قامت أيضًا بإنكار كل سلبية حديثة أو تجاهلها ، فالاستعمار الأوروبي خلال الثلاث قرون الماضية تم في العصر العلماني، ومن دول علمانية والحروب الكثيرة المدمرة ومنها حربان عالميتان في القرن العشرين من إنتاج العلمانية وصناعة أسلحة ذرية قادرة على تدمير الأرض عدة مرات يتم بأيدي دول علمانية ، وهذا وحده أخطر على البشرية من كل الظلم والانحرافات التي تنسب للعقائد الصحيحة والباطلة في تاريخ البشرية، كما أن ارتفاع نسبة الطلاق والعنوسة والأمراض النفسية والجنسية وأعداد الأطفال غير الشرعيين وجرائم القتل والاغتصاب وانتشار الفقر في العالم والحروب كلها أمور موجودة في الدول الغربية والعالم في العصر العلماني ، فلماذا تنسب لها الخير وتنفي عنها الشر وباختصار العلمانية نجحت في نسبة كل خير لها،

وتبرأت من كل شر، فظن الكثيرون أن النور ظهر بظهور العلمانية ، والحقيقة أن الظلام الفكري زاد من خلال افتراءات وادعاءات كثيرة قالت بها العلمانية فشوهت عقائد وتاريخ ومفاهيم لخصومها، أما بالنسبة لإدعاء التسامح الديني فنقول أن العلمانية هي العدوة الأولى للدين ، فما هو التسامح إن التسامح الديني موجود على الطريقة العلمانية وهو أن تنفصل العلمانية عن الدولة والسياسة والحياة وتبقى سجينة في مكاتب ومباني كما فعلت مع الدين فهي لم تحمه بل سجنته ، فالعلمانية لم تكن أبدًا موضوعية أو محايدة في مدح نفسها أو في نقد خصومها فكأن حضارات البشر وعقولهم وكتبهم وما حققوه من تقدم فكري ومادي في كل تاريخهم هو فقط أساطير وخزعبلات وصفحات سوداء ، قال الدكتور عبد الحليم عويس"وفي تعميم شديد تذهب رواية أخرى إلى أن العلم ظاهرة متأخرة في حياة البشرية ، وأن البشرية عاشت قبل ذلك عشرات الألوف من السنين دون أن يتكشف نشاطها عن تلك الظاهرة التي يطلق عليها: اسم العلم ، أن هذه الجرأة في الحكم الظالم على مراحل تاريخية طويلة وحضارات مندثرة هي بذاتها ليست من العلم في شيء" (1) ولو قرأت البشرية ما كتبه الإمام ابن القيم أو الإمام الغزالي قبل مئات السنين لتعجبت من ثقافتهم وعلمهم وذكائهم وتنوع كتبهم ، وهما وبلا مبالغة أرقى فكريًا من كل فلاسفة ومفكري العلمانية مجتمعين ، ولكن المشكلة أن كثيرًا من الناس لا تقرأ ولهذا خدعتهم العلمانية فمن من الناس بحث في الأصول العلمية للعلمانية ؟ ومن من الناس يعرف العلاقة بين العقل والحقائق الفكرية ؟ ومن من الناس درس اتهامات العلمانية للأديان وتعمق فيها وسأل عن أدلة تثبتها ؟ أو درس ردود المتهمين ودفاعهم ؟ أو درس التاريخ بموضوعية ومن مصادر أمينة ؟ .... الخ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت