وقد يرى البعض في هذا الكتاب نوعا من جلد الذات أو معاقبة النفس أو نتيجة اليأس، أو انعكاسًا لمرارة الواقع، وأقول إن الأمر ليس كذلك بل هو إن شاء الله بحث علمي أمين جاء نتيجة سنوات طويلة فيها معايشة واطلاع وتأمل وتفكير ونقاش في واقع شعوبنا وأمتنا. فحتى لا تضيع كثير من جهود الاصلاح بلا فائدة، وحتى لا تحمل حكومات مخلصة أكثر مما تستطيع، وحتى لا تتصارع القوى المخلصة في الشعوب والحكومات، فمن الضروري أن نقتنع بأن الإسلام والعقل يدعواننا إلى تبني شعار"إصلاح الشعوب أولًا""."
وفي الختام أجد من واجبي أن أشكر كل من ساعدني في إنجاز هذا الكتاب، واسال الله سبحانه وتعالى أن يجزيهم خير الجزاء وأن يجعل عملي خالصا لوجهه الكريم وأسال كل من انتفع بشيء منه أن يدعو لي، ولوالدي، والمسملين أجمعين.
عيد بطاح الدويهيس
الكويت 19 شعبان 1417
29 ديسمبر 1996
حتى يُغيروا ما بأنفسهم
نقرأ ونسمع آراء وأفكارًا حول تغيير الواقع، ومناهج الإصلاح، فهناك من قال إن تبني النموذج الغربي وتقليد الغرب هو الطريق إلى الإصلاح، وقال آخرون: إن الاصلاح لن يحدث إذا لم نؤمن بالأفكار الاشتراكية والتغييرات الثورية، وقال غيرهم: إن الاصلاح يبدأ بتغيير الحكومات ولا فائدة من إصلاح الأفراد، وقالوا إن الاخلاق ليس لها دور في البناء فالمهم هو الوعي السياسي وقالوا: إن العقائد لا دور لها في عالم الواقع، وأنها قضايا إيمانية نظرية وقالوا... وقالوا ... وبعد دراسة وبحث عرفنا أن العقائد بمفهمومها الشامل هي أساس كل بناء، وأن الاخلاق هي أحد أعمدة الإصلاح الرئيسية. وبدونها تزدهر اسواق النفاق والكذب والغدر والحسد والبخل والسرقات. قال أحمد شوقي رحمه الله:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإنما همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
ولم ينتبه إلا قلة إلى أن معرفة الإصلاح وعلومه وحقائقه تتطلب الرجوع للقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة حتى نعرف من أين يبدأ الإصلاح؟ وكيف يحدث التغيير؟... الخ. وذلك لأن معلوماتنا عن الأحداث السياسية القديمة والحديثة، وعن واقع الشعوب وما يجري في جوانبها المختلفة فيه كثير من التشويه، ونقص المعلومات، والجهل والآراء المتناقضة فالدعاية الإعلامية لبلد ما قد تجعلنا نعتقد أنه عندما تغيرت الحكومة انقلب الواقع رأسا على عقب ولكننا نكتشف بعد سنين أن هذا ليس صحيحًا، فتعالوا في بحث صغيرفي القرآن
والسنة النبوية لنتعلم أسس حدوث التغيير في المجتمعات من الفقر للغنى، ومن الذل للعز، ومن الكفر للإيمان، ومن التفرق للوحدة، ومن التعصب للإنتماء،
ومن الكسل للعمل، ومن الأنانية للتضحية، ومن المعاصي للطاعات،
وهذا التغيير حدث قديما وحديثا في أفراد وقبائل وشعوب وأمم فعندما اعتنق العرب الإسلام امتلأت نفوسهم بالإيمان وعقولهم بالعلم والحكمة، فاستطاعوا أن يبنوا بلادهم، وأن يحصدوا الثمار الطيبة في الدنيا والآخرة، وهذا هو الأساس لتحقيق العدل السياسي والسعادة الاجتماعية والتقدم الاقتصادي، فالتغيير ليس عموده الفقري هو تغيير الحكومات بل بتغيير ما بالنفوس وما بالعقول من عقائد وعلم ونوايا وأعمال، وقد ابتعد العرب عن الإسلام كثيرًا في عصرنا هذا فتغير واقعنا إلى الأسوا نتيجة وجود انحرافات في النوايا والأعمال والعلم، وإليكم الأدلة الشرعية حول حقائق التغيير:
1-قال تعالى: ?إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مرد له ومالهم من دونه من وال (11) ? (سورة الرعد) ، وقال تعالى: ?كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم ان الله قوي شديد العقاب (52) ذلك بأن الله لم يك مغيرًا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم? سورة الأنفال.
فإذا غير القوم ما بأنفسهم إلى الأحسن فإن الله سيغير واقعهم للأحسن والعكس صحيح، وهذا هو قانون التغيير الأساسي في القرآن الكريم، وفي هذا اثبات واضح بأن التغيير الحقيقي هو الذي يحدث داخل النفوس، وبما أننا نعلم أن الحكومات لا تستطيع تغيير ما بالنفوس، وبما أننا نعلم أن الحكومات لا تسطيع تغيير ما بالنفوس لأن سلطاتها محدودة، وآمالها محدودة، ومعلوماتها محدودة، وقدراتها في الترغيب والترهيب محدودة وبالتالي فإن تاثيرها سيكون محدودًا في تغير الواقع وبناء على ذلك فقرار الاصلاح في أغلبه هو قرار شعبي، و80% كنسبة افتراضية من أوراق تغيير الواقع إيجابيا أو سلبيا هي بيد الشعوب، فإذا امتلأت النفوس إيمانا وعلمًا وأخلاقًا وصدقا انعكس هذا في الواقع
وإذا امتلأت كفرًا ومعاصي ونفاقا وجهلا ظهر هذا في الواقع في أقوال
وأعمال وهزائم وليس صحيحًا ما يزعمه البعض أن في قلبه إيمانا في حين أننا
نشاهد منه انحرافات كثيرة تتمثل في زنا أو ربا أو غير ذلك فالظاهر هو عنوان الباطن وصحيح ان البشر لهم ذنوبهم وانحرافاتهم، ولكن المسلمين الصادقين انحرافاتهم قليلة واستثنائية، أما أغلبية أعمالهم واقوالهم فهي خيرة وطيبة، ولكن كثيرون هم للأسف من يظنون أنهم مسلمون وهم ليسوا كذلك، قال تعالى: ?إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وأولئك هم الصادقون (15) ? سورة الحجرات فمن عمل هذه الأعمال فهو الصادق ولا عذر لمن علم ولم يعمل وقال ابن القيم"ومن تأمل أحوال الصحابة رضي الله عنهم وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف".
وامتلاء النفوس بالإيمان والعلم سيجعلها تتقن أعمالها الأخروية والدنيوية، وستأخذ بالأسباب المادية في الزراعة والصناعة والتجارة والسياسة، وفساد النفوس والضمائر سيؤدي إلى تحويل كثير من العناصر المادية المتوفرة من مال وقوة وبشر... الخ.. إلى مصائب وإنحرافات وخسائر، فتنتشر الرشاوي والاختلاسات والصراعات والتعصب العرقي ... الخ وقد ظننا أن الأماني ستتحقق بالاستقلال السياسي وحققناه في دول كثيرة، ولكن لم يحدث التغيير نحو الأحسن لأن كثيرًا من النفوس كانت فاسدة، فعاثت في الأرض فسادًا فزاد واقعنا سوءًا مع وجود نعمة الاستقلال. ولا شك أن للحكومات دورا جزئيا في تغيير الواقع،
فإذا صلحت كان لها تاثيرا طيبًا، وإذا فسدت كان لها تأثير سيء، وكذلك للاستعمار والأعداء الداخليين والخارجيين تأثير سيء، ولكن التأثير الأكبر هو للشعوب، وما بنفوسها من خير وشر، فعندما ينتصر عدو خارجي فلا
تظن أن قوته مهما بلغت هي التي حققت لوحدها الانتصار، ولكن انظر ايضا إلى رصيد الأمة من إيمان وإخلاص وعلم وعمل، فستجد أن في نفوسها انحرافات
كثيرة هي التي كانت السبب الرئيس في هزيمة الأمة.
2-قال تعالى: ?فأستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين? (54) سورة الزخرف.