فهرس الكتاب

الصفحة 1093 من 2255

أطاع قوم فرعون الظالم، ولو عصوه لما استطاع أن يفعل شيئا، ولما أطاعوه أغرقهم الله سبحانه وتعالى. فالفسق والمعاصي والشرك جعلت قوم فرعون يحصدون المصائب.. وحاور فرعون قومه فأقنعهم بوجهة نظره، فأقتنعوا لأن نفوسهم ملوثة بالذنوب، فالحاكم الظالم بدون تأييد من بعض القوى الشعبية وتخاذل من البعض الآخر لا يستطيع الإفساد في الأرض وضعف الإيمان أو غيابه هو المشكلة الرئيسية، ولا يوجد ابدًا شعب يطيع أغلبيته الله ورسوله، ويضحون بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ويلتزمون بالأخلاق الفاضلة ويدعون لدين الله فيستطيع أحد أن يضطهدهم، وقد قال قائلهم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه:"لو وجدنا فيك إعوجاجا لقومناه بسيوفنا"، أما الشعوب التي تلهث وراء الدينار والدرهم، وتحب تقليد الغرب وتتخلى عن دين الله، فإنها لا شك شعوب هالكة في الدنيا والآخرة، ويحق لنا أن نعجب من البعض عندما يقول إن الشعوب مغلوبة على أمرها، فلهذا تقبل بالظلم والمهازل العقائدية والسياسية، وتكون وقودًا للحروب. وقد يكون منطقيًا أن تضطهد أغلبية أقلية، ولكن ليس من المعقول أن يحدث العكس أي أن تجد الملايين لا تستطيع عمل شيء امام من هم أقل منهم قوة إلا إذا كانت هذه الملايين متفرقة وانانية وكسولة... الخ. وعشرة في المئة من أي شعب إذا تمردت أضرت كثيرًا، وسببت إزعاجًا كبيرًا للأغلبية والحكومة، فكيف لو تمردت الأغلبية، ولنتذكر دائما أن ما نراه في واقعنا كشعوب هو ما نستحقه، وما زرعناه من خير وشر، فإن كان لا يعجبنا هذا فلنحسن من علمنا ونوايانا وأعمالنا، فسيتغير الواقع، فالمسألة ليست أماني وانقلابات أو ثورات أو اغتيالات لأن الله سبحانه وتعالى جعل لكل شيء سببا فالأسباب الإيمانية لها نتائج طيبة، وكذلك للأسباب المادية ولنعترف أن بعض شعوبنا وحتى حكوماتنا

وأحزابنا وجماعاتنا إما تجهل انحرافاتها فتظن أنها تستحق أفضل مما هي

عليه أو تريد أن ياتيها الخير من حرية وعدل وغنى وعلم وعزة دون

أن تبذل جهدًا أو اسبابا أو كلا السببين معا!! وقوة الدور الشعبي واضحة في

الحديث التالي: عن ابن عباس رضي الله عنهما- أن معاذا قال. بعثني رسول الله فقال"إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فأدعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم فإن هم أطاعوا لذلك فاياك وكرائم اموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" (1) وفي هذا الحديث دليل على أن الحاكم الجديد - معاذ رضي الله عنه - لا يستطيع تطبيق الإصلاح بدون تأييد شعبي فالإصلاح إذن قرار شعبي.

3-من البديهيات القرآنية أن الإيمان والعمل الصالح هما الطريق إلى العزة والقوة والغنى والوحدة قال تعالى: ?إننا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد? (51) سورة غافر وأن الكفر والمعاصي هما الطريق للخسران والذل والفقر والتفرق في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ?فكُلًا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانو أنفسهم يظلمون? (40) سورة العنكبوت، والإيمان والكفر والأعمال الصالحة والمعاصي لها ارتباط وثيق بكل البشر أي بالشعوب في حين أن دور الحكومات في المحصلة النهائية للخير والشر هو أقل بكثير من دور الشعوب، وغالبًا ما يأتي الخطاب القرآني، موجها للشعوب مثل يا أيها الناس ويا قوم، ويا بني أدم وقوم نوح، وعاد وثمود،... الخ. فإذا رأينا في واقعنا التفرق والاختلاف والذل والفقر فلنتذكر أن هذه نتائج لما في النفوس من انحرافات، وفي الحديث التالي ارتباط بين المعاصي ونتائجها، وفيه كذلك أدلة على أن أغلبية الانحرافات المذكورة شعبية المصدر تحدث من بشر عاديين فعن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أنه قال:

ـــــــــــــ

(1) ص 136 كتاب الزكاة مختصر صحيح مسلم - محمد ناصر الدين الألباني.

"كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله e، فاقبل علينا رسول الله e بوجهه، فقال:"يا معشر المهاجرين، خمس خصال أعوذ بالله أن تدركوهن، ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها الا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في اسلافهم الذين مضوا، ولا نقص قوم المكيال إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان، وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولا خفر قوم العهد إلا سلط عليهم عدوا من غيرهم فأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم"رواه ابن ماجة والحاكم وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وفي الحديث دليل واضح أن جور أي ظلم الحكومات إنما هو نتيجة لذنب شعبي وهو المكيال قال سبحانه وتعالي: ?وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون? (129) سورة الأنعام ولا شك أن شعوبنا قادرة على تنفيذ كثير من قضايا الإيمان والأعمال الصالحة، ولكنها لم تفعل، ولم تلتزم بمبادئها، فالأغنياء بإمكانهم إخراج زكاة أموالهم، والمتعاملين بالربا قادرون على الأمتناع، والأمهات قادرات على تربية أبنائهن تربية اسلامية صحيحة ... الخ ونستطيع أن نقول إن مسئولية تطبيق الشريعة الإسلامية تقع في أغلبها على الشعوب، ولا شك أن الإلتزام بالصلاة هو أحد أهم الأساسيات الإسلامية، كما أنها أحد المقاييس الرئيسية لقياس درجة إيمان وأعمال الشعوب، قال ابن مسعود رضي الله عنه"رأيتنا وما يتأخر عن صلاة الفجر إلا منافق عليم النفاق"وقال الإمام أحمد بن حنبل في كتابه رسالة الصلاة"وجاء الحديث عن النبي e أنه قال: أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون منه الصلاة، وليصلين أقوام لا خلاق لهم" (1) وجاء في الحديث"

"إن أول ما يسال عنه العبد يوم القيامة من عمله الصلاة فإن تقبلت منه صلاته تقبل عمله وإن ردت عليه صلاته رد سائر عمله"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا خلاق لهم: لا نصيب لهم من الدين ولا من الخير والصلاح.

فصلاتنا آخر ديننا وهي أول ما نسأل عنه غدا من أعمالنا، فليس بعد ذهاب الصلاة إسلام ولا دين فإذا صارت الصلاة آخر ما يذهب من الإسلام فكل شئ يذهب آخره فقد ذهب جميعه"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت