فهرس الكتاب

الصفحة 1095 من 2255

قرأنا تاريخنا كأنه تاريخ لأنظمة الحكم، وليس كتاريخ متكامل لكل جوانب الحياة السياسية والعقائدية والاجتماعية والاقتصادية وعادة ما تربط كتب التاريخ بين الازدهار والتخلف وبين نظم الحكم، وصورت لنا أن الغنى مرتبط برضى الحاكم وصلاحه، والفقر مرتبط بسخط الحاكم وفجوره، وكل هذا بحاجة إلى إعادة دراسة، فالأدلة التاريخية القديمة والحديثة تثبت أن الشعوب الواعية تنتج قيادات واعية، وبهما معا يتحقق الازدهار، أما الشعوب الكسولة والعاصية فإنها تنتج الظلم والفقر والهزائم والقيادات الفاشلة، وإليكم الأدلة:

1.عندما وجد الشعب المؤمن في المدينة المنورة أمكن تحقيق المعجزات البشرية، فالانتصارات لا تطغيهم، والهزائم لا تحطمهم، وكانوا أهل رحمة وعدل وجهاد وعلم وأخلاق، وهذه الصفات جعلتهم يبنون دول راقية. فحدث التقدم في عهد النبوة والخلافة الراشدة لوجود شعب صالح، وحكومة صالحة، ويجد من قرأ في تاريخ الصحابة النماذج الشعبية الرائعة، فهذا قدوة في علمه، وذلك قدوة في عبادته، والثالث في كرمه، والرابع في شجاعته، وهكذا وقد مدحهم الله سبحانه وتعالى بقوله: ?كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتهون عن المنكر? وقيل عنهم:"فرسان في النهار، ورهبان في الليل"، وهذا الإلتزام الشعبي بالمبادئ من الطبيعي أن يؤدي إلى بناء دولة عظيمة في عقائدها ونظمها وأخلاقها وقوتها العسكرية، فإذا مات عالم كان هناك غيره كثيرون، وإذا قتل جندي كان غيره آلاف يضحون. وحدث ضعف في عهد الخلافة الأموية وفي أيام الخلافة العباسية في عقائد واخلاق الشعوب، ولكن بقيت صفات كثيرة جيدة فبنوا دولا قوية وحضارة وثقافة وعدلا وانتشر الإسلام في دول كثيرة، ووجدنا كذلك صفحات سوداء فيها نزاعات وجهل وظلم ولكن المحصلة النهائية في هذه الفترة كانت جيدة وهي أفضل بكثير من واقعنا الحالي.

2-يروي أن رجلًا سأل الإمام على بن أبي طالب كرم الله وجهه: لماذا كان الناس في عهد أبي بكر وعمر في أمن واستقرار وفي عهدك اختلفوا وتفرقوا فقال الإمام على ما معناه"لأن رجالهم كانوا مثلي اما الآن فإن رجالي مثلك"فالإمام علي بين ان ضعف الدولة في عهده يرجع إلى عصيان الشعب وتمرده وقلة إيمانه وعلمه ولم يكن بسبب ضعف الحكومة أو جهلها، فالإمام على كان فوق الشبهات في علمه وعمله وقرارته السياسية كانت صائبة وحكيمة، ولكن جودة الحكم في عصره لم تؤده إلى النجاح والاستقرار بسبب الإنحرافات الشعبية الكبيرة، وخطب الإمام علي في هذه الفترة مشهورة، تبين خيبة أمله في كثير من مؤديه وأنصاره، أي في القواعد الشعبية. وقال عبدالملك بن مروان على المنبر"ألا تنصفوننا يا معشر الرعية؟ تريدون منا سيرة أبي بكر وعمر ولا تسيروا في أنفسكم ولا فينا بسيرة رعية أبي بكر وعمر أسأل الله ان يعين كلا على كل". وقد ثبت قديما وحديثًا أن المسلمين يختلفون من فترة إلى أخرى في درجة علمهم وإيمانهم، فقد يبتعدون عن الاسلام كثيرًا، فيدخل بعضهم أو كثير منهم في الكفر والشرك والنفاق مع احتفاظهم بأسماء إسلامية وبعض العبادات والعقائد الإسلامية ولهذا نجد أحيانا صفحات سوداء من فتن وظلم وحقد وحسد وطمع دنيوي وقسوة .. الخ. والاسلام برئ من ذلك وكذلك المسلمون الملتزمون وصحيح أن الانحرافات والصراعات قد تحدث بين بعض المسلمين ولكن هذا هو الاستثناء لا القاعدة.

3-قال عثمان بن عفان رضي الله عنه"إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"هذا القول ليس معناه أن أغلب اوراق الإصلاح بيد السلطان وأن من يحكم سينجح في فرض التغيير على الشعوب. فغاية ما نفهمه من هذه العبارة هو أن للسلطان قوة تردع بعض المنحرفين ممن لا يتأثرون بآيات القرآن لو سمعوها ونحن نؤمن بأن بعض أوراق الإصلاح هي بيد السلطان وأن في صلاح الحاكم والوزراء خير كثير ولكن نؤمن أن الخير الذي بيد الشعوب إذا أصلحت اكثر بكثير واحد الأدلة التي تثبت هذا هو إذا كان للسلطان قوة مالية فإن ما يملكه الشعب اكثر بكثير وإذا ثار الشعب فإن الأنظمة تسقط وهذا دليل اخر على قوة الشعب ومن لديه نصيب اكبر من المال والقوة هو القادر على إحداث التغيير الأكبر.

4-قالوا لنا:"الناس على دين ملوكهم"وقالوا إن عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه غير الأمة الإسلامية في عهده ونقول ليس صحيح أن الناس سهل انقيادهم أو يريدون أن يكونوا نسخة من حكامهم، أو يتغيروا كلما تغير الحكام أو الحكومات، وهذا واقع مشاهد في عصرنا هذا، وقدوتنا نحن المسلمين هو الرسول e والحاكم عندنا هو قائد له مكانته، وليس من أخلاق المسلمين تقليد حكامهم أو الغرب أو الشرق في سلوكهم أو أعمالهم أو عقائدهم. وقد كان عمر بن عبدالعزيز حاكما صالحًا، وزاد الخير والعدل في عهده، ولكن من الخطأ أن نعتقد أن الدولة الأموية انقلبت رأسا على عقب، أو أن تغييرات جذرية حدثت في شعوب الأمة الإسلامية فإذا وجدت حكومة مثالية فإنها في اعتقادنا لن تستطيع تغيير أكثر من 20% من الواقع نحو الخير، وأما إذا وجدت حكومة منحرفة عقائديا او اخلاقيا فإنها لن تستطيع تدمير وافساد أكثر من 20% من الواقع، أما إذا كان فيها خير وشر فإن تأثيرها سيكون مزدوجا أي أمور تبني فيها، وأمور تهدم فيها على قدر نسبة الخير والشر فيها، ولا شك أن وجود حاكم صالح أفضل من حاكم منحرف، ولكن وجوده سيؤدي إلى تحقيق بعض الانجازات الطيبة، ولن يؤدي إلى إنقاذ أمة فيها عشرات الملايين، وينقلهم من التخلف للتقدم، ومن الجهل للعلم ومن الاختلاف للوحدة... الخ .. قال عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه لابنه عبدالملك عندما طالبه بمزيد من الإصلاحات"والله ما استطيع أن أخرج لهم شيئا من الدين الا ومعه طرف من الدنيا أستلين به قلوبهم خوفا من أن ينخرق على منهم ما لا طاق لي به"وقال"أليس حسنا وجميلا الا تطلع الشمس على في يوم الا أحييت فيه حقا وأمت باطلا حتى يأتيني الموت وأنا على ذلك؟؟" (1) وفي هذين القولين دليل واضح أنه اذا رفضت الشعوب الإصلاح فلن يكون هناك إصلاح..

5-جاءت وذهبت ثورة 23 يوليو دون أن تحدث تغييرات جذرية في

ـــــــــــــــــــ

(1) ص 71، ص 81 كتاب عمر بن عبدالعزيز للأستاذ خالد البيطار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت