فهرس الكتاب

الصفحة 1096 من 2255

الشعب المصري فلم يؤمن الشعب بكل شعاراتها وأفكارها، بل آمن بما يريد أن يؤمن به، ورفض ما لا يريد، ففشلت الدعاية الكبيرة للاشتراكية، ولم تستطيع الثورة تحقيق تقدم اقتصادي، ولم تستطع ضمان حتى النجاح في انتخابات حره نزيهة، وهذا وغيره يثبت أنه ليست للحكومات قدرات كبيرة لتفعل ما تريده ووجدنا قوى شعبية كالوفد والاخوان المسلمين يسخرون من شعارات الثورة وقرارتها. وحاولت الحكومة استخدام وسائل كثيرة لإحداث تغييرات جذرية ولكنها لم تنجح مع أنها أممت الصحافة، وألغت الأحزاب، وفتحت المعتقلات، فالتغيير داخل النفس لا يحدث لا بالترغيب ولا بالترهيب فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان حرًا، ويبقى إذا شاء حرًا حتى لو كانت قشرته الخارجية تتأقلم مع الظروف. وأي حكومة لا تدعمها قوى شعبية ستبقى ضعيفة، ولن تستطيع في الغالب تحقيق إنجازات كبيرة، ولهذا وجدنا ثورة 23 يوليو أضعف بكثير من أن تصمد أمام الأعداء، وإذا كان الشعب يذكر لها ايجابياتها في العدالة الاجتماعية، ومحاربة الاستعمار، ومجانية التعليم وبناء السد العالي فإنه لا ينسى سلبياتها في تدمير الديمقراطية، وحيادية القضاء، وموقفها من الإسلام وعلمائه والمتدينين. والشعوب ترى وتسمع، ولها تاريخ وآمال وعقائد أي ليست عجينة سهلة التشكيل، وكما لم يحدث الوصول إلى الحكم تغيير شعبي في المجتمع المصري، فكذلك لم تنجح الشيوعية في روسيا والصين مع أنهم حاولوا زراعتها بكل الوسائل ولفترات طويلة من الزمن، ولكنهم باؤا بالفشل الذريع ليس فقط لأنها نظرية فاشلة جدا بل لأن التغيير الشعبي لا يحدث بقرارات حكومية وحتى لو وجدت حكومة إسلامية فإنها لن تستطيع تغيير الشعب لا بالترغيب ولا بالترهيب ولا بالإقناع.

6-تعطي الحياة النيابية في الكويت مثالا واضحا على أن قرار

الإصلاح شعبي، فقد انتخب الناخبون لسنوات طويلة وخاصة فيما يسمى

بالمناطق الخارجية نوابا لم يكونوا بالمستوى المطلوب من حيث كفاءتهم

وعلمهم، وهؤلاء لم يأتوا من فراغ، بل جاؤوا كنتيجة طبيعية للمستوى

الثقافي والعلمي السائد في المناطق الخارجية، وعندما زاد الوعي السياسي وحرص شباب القبائل على اختيار الأفضل، والابتعاد عن التعصب القبلي، بدأت عملية التغيير تحدث في الواقع، وبدأنا نجد نوابًا أكفاء من المناطق الخارجية. فالقرار الشعبي لا يختار دائما الرجل المناسب في المكان المناسب او أي قرار فيه مصلحة الوطن، بل هو قرار يتأثرها بما في الشعب من اخلاص ووعي، فالسلطة التشريعية هي فرع من الشعب، وكذلك الأمر بالنسبة للسلطة التنفيذية هي فرع من شجرة الشعب، حتى وإن لم تكن سلطة منتخبة، ولأن أغلب شعوبنا ليس لها دور في اختيار حكوماتها، فإننا نظن أن لو كان لها دور لاختارت أفضل الرجال، ونقول هذا لن يحدث في واقعنا الحالي لأننا نجد أعدادا هائلة تختار مرشيحها في المجالس النيابية بناء على الإنتماء القبلي، أو العلاقات الشخصية او الخدمات والمصالح التي يقدمها المرشح.

إصلاح الشعوب - الأدلة العقلية

نحن نطالب بالتغيير الحقيقي وليس الظاهري، فتغيير الحكام والحكومات والشعارات والأفراد ليس دليلًا على أننا نجحنا في الإصلاح، فبعض الدول تكون منحرفة إلى اليسار بدرجة ثلاثين درجة، ثم بعد التغيير الظاهري نجدها تنحرف ثلاثين درجة إلى اليمين، فتختفي سلبيات الحزب الواحد، وتظهر سلبيات تعدد الأحزاب، وتختفي إيجابيات يسارية، وتظهر إيجابيات رأسمالية، والمحصلة النهائية هي:كأنك يا أبو زيد ما غزيت"فالتغيير الظاهري هو انتقال الحكم من مدنيين إلى عسكريين، أو مدنيين آخرين، أو العكس أو تغيير وزير أو مدير أو ناظر مدرسة أو رئيس حزب، والتغيير الحقيقي هو الذين يكون في عقائد الشعب وإنتاجية الموظفين وإخلاص المدرسين واجتهاد الطلاب... الخ ونحن الشعب والموظفين والمدرسين والطلاب فلنقنع أنفسنا بأن نتغير إلى الأفضل، ونقول للذين يطالبون بالإمام العادل، والحكومة العادلة، إن هذا لن يتحقق إلا إذا قمنا كشعوب بإنشاء أحزاب عادلة وجماعات عادلة، وقبائل عادلة وأسر عادلة، وأفراد عادليين وصحفيين موضوعيين... الخ. وإذا عجزت الشعوب عن حمل واجباتها ومسئولياتها، فإن الحكومات ليست لديها القدرة على تغيير نفوس الشعوب، وإليكم بعضا من الأدلة التي تثبت هذا الرأي:"

1-جعل الله سبحانه وتعالى أمور الحياة الدنيا تسير حسب سنن إيمانية ومادية من أخذ بها نجح كليا أو جزئيا بحسب ما أخذ ومن هذه السنن أن الله لم يعط الحكومات قدرات هائلة، أو أقوى مما أعطى الشعوب، فكم حكومة حاولت أن تستمر في الحكم فلم تنجح، وكم حكومة واجهت مشاكل اقتصادية فلم تدر ما تفعل، وهذا الضعف والفشل والحيرة تثبت أن قدرتها محدودة، فالحكومات في

الغالب لا تزيد قوتها على تغيير الواقع نحو الأفضل أو الأسوأ عن نسبة 20% فكل سلطة سواء كانت حكومة أو مديرًا أو ناظرًا أو رب اسرة أو قائدا

عسكريًا ستواجه الضعف أو الفشل إذا قال لهم مرؤسوهم"لا"فالضابط لا

يستطيع أن يفعل شيئًا إذا تمرد الجنود. والأب لا يستطيع

فرض قناعاته على أبنائه الكبار.... الخ، وإذا وجدت مؤسسات أو تكتلات سياسية تتحكم بها الحكومات فأغلبها هي مؤسسات صورية غير شعبية. فالأبناء والأحزاب والجماعات... الخ يتحركون بناء على عقائدهم ومصالحهم واقتناعاتهم، وكثيرًا ما تذهب نصائح الأب أدارج الرياح مع وجود الاقتناع بصدقه وإخلاصه، وكذلك تفعل الشعوب حتى مع الحكومات المخلصة، فكيف مع التي لا تكون كذلك؟ فالحكومات لا تصنع الشعوب. وحتى لو وجدت حكومات إسلامية وحاولت فرض الاقتناع والايمان على الشعوب فإنها لن تنجح، وليس صحيحا أن الشعوب ستلتزم بالإسلام إذا كان هناك إعلام إسلامي وقوانين إسلامية، فالشعوب إذا أرادت أن تنحرف عقائديًا أو أخلاقيا فإنها ستنحرف حتى لو حاولت الحكومات أن تردعها، فالانحرافات تحدث من الأفراد والشعوب لأن هناك ضعف إيمان، ومما يثبت هذا أن الفرد الملتزم يتمسك بدينه حتى في أوربا وامريكا حيث كل المغريات متاحة، ولا توجد قوانين إسلامية، فمن لا يعبد الله شكرًا لنعمه ورغبة في جنته وخوفا من ناره، هل سيعبده لأن الحكومة أمرت بذلك خاصة وأن كل إنسان عاقل يعلم أن إمكانيات الحكومة في الترغيب والترهيب ضعيفة مهما كبرت.

2-يعلم من لديهم خبرة في العمل الحكومي أن صلاحيات الوزير

أو وكيل الوزارة محددة بحكم الدستور والقانون والتوزان الاجتماعي

والسياسي فبعض الوزارء لا يستطيع فصل موظف صغير مهمل إذا كان لهذا الموظف علاقات سياسية أو اقتصادية قوية، وما دام الوزير لا يستطيع أن يكافئ ويعاقب ويغير القوانين واللوائح كما يشاء فإنه لن يستطيع تغيير الواقع

كما يشاء. والحكومات هي مجموعة من الوزارات، وكل وزارة

أو مؤسسة حكومية هي أفراد متنوعون في أفكارهم وعقائدهم ومصالحهم وأصولهم العرقية والطبقية، فهناك مراكز قوى تتنافس، وهناك تكتلات

إدارية أو سياسية أو صداقات، وهناك اجتهادات مختلفة وصراع على

المراكز، فالنوايا والأعمال والاجتهادات لا تسير كلها في مصلحة الوزير أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت