فهرس الكتاب
2-أدت عوامل سياسية وشخصية ونفاقية إلى إرجاع أي إنجاز طيب إلى مجهود الحكام والحكومات، وتهميش أو إلغاء الدور الشعبي مع أنه الأصل، فهم العمال والإداريون والمهندسون لهذه الأعمال، فالحكومات أضافت إلى رصيدها أكثر بكثير من حقها، وأضافت إلى عضلاتها عضلات وهمية كبيرة، فكسبت ثناء زائفًا، فكان من العدل ومن شؤم هذه المعصية أن ينسب كل انحراف أو خطأ أو فشل إلى الحكومات، وأدى الاستبداد كذلك إلى إيجاد بيئة ملوثة انتشرت فيها الإشاعات والحكايات التي تشوه الحكومات، قال الأستاذ حسين أحمد أمين:"ولا ريب عندي في أن ضخامة التوقعات التي تعلقها الرعية على كل عهد جديد مع افتقارها إلى كل من الواقعية والمنطق تنطوي على إجحاف شديد بالحاكم الوافد. والواقع أن الاستبداد والمركزية المفرطة في نظم الحكم في كثير من الدول الإسلامية هما المسئولان عن توهم الشعوب أن كافة شئون حكمهم منوطة بإرادة الحكم، وأن تغيير الحكومة لا بد أن يؤدي إلى تغيير في كافة هذه الشئون، وغالبا ما تنسى هذه الشعوب أن الحاكم إنما يرث عن سلفه تركة مثقلة"
بالدين، وأن الكثير من المشكلات قد لا يكون له علاقة بالحكومة
ذاتها" (1) ."
3-الحكومة هي شيء واضح ومحدد له سلطاته ومجالسه وقراراته المعلنة، ولكن الشعوب وخاصة في الدول النامية غير ممثلة في مجالس نيابة إلا ما ندر، فكأنه لا حول لها ولا قوة وهذه الصورة الظاهرية ليست صحيحة، فالشعب هو الموظفون والجنود والأحزاب والجماعات والجمعيات فهو موجود، ويشارك في صناعة الواقع بأفعاله وأقواله وعقائده. فعدم وجود مؤسسات شعبية رسمية، أو عدم وجود قرارات شعبية معلنة ليس معناه أن الشعوب غائبة بل معناه أنها لم تطالب بحريتها وأن القوى الشعبية مختلفة لا تتفق على قرارات وكثير من أوضاع الدول النامية تثبت أن جزءًا من الشعب هو الذي يسيطر وينفرد في القرار، أي أن الحكومة ذات جذور شعبية سواء كانت هذه الجذور حزبًا شعبيًا أو عرقًا، أو طبقة أو طائفة، أو غير ذلك، ونادرًا ما توجد حكومة لا تنال تأييد بعض القوى الشعبية. وعموما فالحكومات المخلصة والذكية هي التي تعطي دورًا كبيرًا وبارزًا للشعوب في المناصب والمصالح والقرارات لأن في ذلك فوائد كثيرة لعل أهمها أن تُبعد بعض اصابع الاتهام الظالمة عنها.
4-غالبا ما تكون القوى الشعبية السياسية بعيدة عن السلطة والمال
والعمل وقريبة من الشعارات والكلام والخيال، ولا شك أن أغلب أو كثيرًا
من القوى الشعبية تجيد الخطب وإعطاء الوعود، والعزف على أوتار الإصلاح، ومصالح الشعوب ولكن هذا لا يعني أن كلها مخلصة وواعية وذكية
ونشيطة، وانها لو وصلت إلى الحكم فسوف تحقق المعجزات، وهذا ليس
تجنيًا عليها، بل هو واقع شاهدناه مرارًا، فكثير من القوى الشعبية
ــــــــــــــــــــ
(1) ص 137 دليل المسلم الحزين - الأستاذ حسين أحمد امين.
وصلت للحكم، ولكن تحول كثير من قادتها إلى مستبدين ومجرمين ولصوص، فالصورة المثالية للقوى الشعبية ليست صحيحة إذا سلطنا عليها نار المناصب والمال والشهرة. فالصورة المثالية للقوى الشعبية جعلتنا نراها أجمل مما هي عليه، وجعلتنا نرى الحكومات بأقبح مما هي عليه، فالأولى تشق طريقها من خلال الكلام الجميل، والثانية تصطدم في سيرها بواقع مرير وهذا جعل الكثيرين يظنون أن الحكومات هي العائق أمام التطور والتقدم. وندعو إلى تشجيع القوى الشعبية للانتقال من الحياة في عالم الشعارات الجميلة إلى عالم العمل والإنتاج والمواقف المحددة والتصورات الواضحة ونحن لا نريد أن نحرج أحدًا أو ندعو للتشاؤم، ولكن نريد أن نرى الواقع بصورة صحيحة ونريد أن تتطور القوى الشعبية من خلال العمل ولنتذكر قول الشاعر:
ما أكثر الأصحاب حين تعدهم
لكنهم في النائبات قليل
5-كثير من السلبيات يتحملها اكثر من طرف، فهناك أكثر من مسئول عن السلبية الواحدة، وإذا كان هناك طرفان حكومي وشعبي، فإن كل طرف يحاول ان يلقي المسئولية على الطرف الآخر فإذا سألت طالبا فاشلا عن سبب فشله اتهم بعض مدرسيه أو الناظر، وإذا سألت امرأة مطلقة عن سبب فشل زواجها اتهمت زوجها بأنه السبب، وكذلك يفعل الزوج. ولو سألنا شعوبنا لماذا لا نجد التقدير المناسب للعلماء والمفكرين لألقوا اللوم على الحكومات بأنها لم تشجعهم معنويا وماديا، وقد يكون هذا صحيحا، وقد لا يكون، ولكن الصحيح أن كثيرًا من
العلماء والمفكرين ينتقلون من بلد إلى بلد، فلا يعرفهم أحد، بل إن بعضهم مجهولون حتى في بلادهم، وكثير من كتبهم لا يقرأها إلا قلة، ولا تحقق
ربحا في حين نجد أشرطة غنائية أو أفلامًا لممثلة تافهة تحقق أرباحًا طائلة،
ونجد المعجبين يستقبلون الممثلة في المطار، والأسواق، ونجد تذاكر حفلة
لراقصة تنفذ خلال ساعات ويحق لنا التساؤل لماذا هذا التأييد الشعبي ومن
أجبر الشعوب على أن تتجاهل العلماء؟ وسنصل في النهاية إلى الاقتناع بأن كثيرًا من أوراق الواقع هي بيد الشعوب.
6-هناك إرث تاريخي مشوه يربط بين التغيير نحو الأحسن وبين الثورات والانقلابات، وهذا التأثير التاريخي نابع من التاثر بالثورة الفرنسية وشعاراتها الجميلة، وبالثورة الروسية الشيوعية وبثورات وانقلابات قديمة وحديثة في تاريخنا وهذا جعل كثيرًا من الشباب يقتنع بأن التغيير نحو الأحسن يجب ان يبدأ بالثورة والعنف، وحتى أصبحت هذه من البديهيات الإصلاحية، ولكن هل كانت الثورة الشيوعية تغييرًا نحو الأحسن أم أنها كانت تغييرًا نحو الأسوأ بعد أن ثبت فشلها بعد سبعين سنة من التطبيق في روسيا؟ أما الثورة الفرنسية فقد كانت لها ايجابيات كبيرة وكذلك سلبيات كبيرة فالثورة لا تؤدي بالضرورة للتغيير نحو الأحسن، ولو كانت كذلك لكانت أغلبية أنظمة الحكم في العالم عادلة ومثالية لأن التغييرات العنيفة موجودة في كثير من الدول، فالعنف قد يؤدي إلى التغيير نحو الأحسن أو الأسوا أو يبقى الأوضاع كما هي، ومن الملاحظات أن هناك اقتناع بأن إزالة نظام حكم ظالم ستؤدي حتما إلى إيجاد نظام أفضل، وقد يكون ذلك راجعا لفطرة الناس المتفائلة، لكنهم لو صبروا خمس أو عشر سنوات على الحكم الجديد لربما اقتنعوا أنه لم يكن تغييرا نحو الأفضل، فالحكم على تغيير عنيف أو سلمي بانه إيجابي أو سلبي عملية تتطلب التعرف على حقائق كثيرة عقائدية وسياسية واجتماعية واقتصادية قبل التغيير وبعده وهذه من الأمور الصعبة لأن هناك أسرار، ونادرًا ما نجد الموضوعية والعلم فيما يكتب من آراء وكتب ودراسات، فكثير من التغييرات التي حدثت في عالمنا العربي لا زلنا مختلفين حول إيجابياتها وسلبياتها، ونحن بحاجة إلى رفض التسليم بأن هناك علاقة إجبارية بين التغيير نحو الأحسن وبين العنف والثورة، وبحاجة إلى تسليط الأضواء على التغيير نحو الأحسن الذي يحدث في أوضاع سلمية وهو موجود في كثير من الدول وأنتج أمنًا واستقرارا وتقدمًا اقتصاديًا وحكمة، ونحن لا نتطرف في تبني المفهوم