فهرس الكتاب
السلمي للإصلاح ولا ننفي أهمية الجهاد ولكننا نؤمن بأن الإصلاح السلمي هو القاعدة وأن الجهاد يجب أن يكون في مكانه الصحيح ونؤمن بأن البقاء في الحكم أو الخروج من يخضع كأي عمل آخر لأسباب إيمانية ومادية، فقد يبقى الله سبحانه وتعالى الحكومة الظالمة كجزء من الإمهال، أو كعقوبة لانحرافات شعبية، فالله سبحانه وتعالى هو المتحكم بالأمور، وقد رأينا أنظمة حكم تنهار في كثير من الدول في هذا القرن مع أخذها بكثير من الأسباب المادية، فأجهزتها الأمنية متطورة، وصرفت الكثير من المال في كسب الولاء العسكري والمدني، ومكرت في الإعلام والسياسة، ولكن عندما أذن الله سبحانه وتعالى بخرابها جاءها الدمار من عدو خارجي، أو مؤامرة عسكرية، أو ظروف سيئة، أو اغتيال أو مرض خطير، أو غير ذلك قال تعالى: ?قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير? (26) (سورة آل عمران) .
التخلف العلمي الشعبي
نصيب أي أمة من التقدم والسعادة يعتمد على رصيدها من العلم والعمل والإخلاص. ولأننا من المقتنعين بأن ما نشاهده في واقعنا من خير وشر هو ما نستحق وهو مرتبط بما عندنا من علم وجهل، ومن عمل وكسل ومن إخلاص ونفاق كشعوب وكحكومات وبأن التأثير الأكبر في الواقع راجع للشعوب، فمن الواجب أن نقدم الأدلة التي تثبت بأن هناك تخلفًا علميًا شعبياُ ساهم بصورة كبيرة في جزء كبير من التخلف والشقاء والتفرق الذي نعيشه وإليكم الأدلة:
(1) - لا شك أن أهم أنواع العلم هو معرفة عقائد الإسلام وأحكامه، وهناك جهل شعبي كبير في ذلك، ومع أنه لا يوجد ما يمنع الشعوب والأمم الإسلامية من التعرف على دينها، وزيادة رصيدها العلمي إلا أنها لم تفعل، فالكثير من المثقفين وغير المثقفين يجهلون أساسيات في علم التوحيد، فهم يظنون مثلا أن كل من يؤمن بوجود الله فهو مؤمن، مع أن كفار قريش كانوا يؤمنون بوجود الله أي أن معاني الشرك غير واضحة لهم، ولو سألتهم عن الاختلافات العقائدية التي حدثت للأمة الإسلامية لما عرفها كثير منهم، فبعضهم لا يدرك خطورة الصوفية وشطحاتهم في الكرامة والولاية والعبادة، وكثيرون هم الذين يجهلون الفرق بين الانتماء والتعصب العرقي، وبين الشورى والاستبداد وبين الأحاديث الصحيحة والموضوعة، وبين الالتزام والتطرف، وبين الزهد والتصوف، والجهل في الأحكام الاجتماعية والاقتصادية حدث عنه ولا حرج، وهذا التخلف تم استغلاله من اتجاهات علمانية وشيوعية ورأسمالية ومتطرفين سواء وجدوا في حكومات أو اتجاهات أو أحزاب أو جماعات، فصبغوا أفكراهم المنحرفة بصبغة إسلامية أو أوهموا الشعوب بأنها لاتعارض الإسلام فصدقت الشعوب ذلك، فأصبحت فريسة سهلة لأعداء الأمة، وأهل المصالح والبدع، بل وصل الجهل إلى أبعد من ذلك حيث استطاع هؤلاء تشويه سمعة علماء واعين
وصادقين، وشوهوا عقائد صحيحة وأنظمة صادقة، ففقدت الأمة قياداتها الفكرية والسياسية!!
وما دام الجهل بهذا الحجم، فمن الطبيعي أن يختلف المخلصون فالجهل يفرق والعلم يوحد، ومن الطبيعي أن تكون أحد القواعد الأساسية للواقع العربي هي. (اتفق العرب على ألا يتفقوا) وقد يظن البعض أننا نبالغ في ما نقول، وجوابنا هو احضروا مئة عربي مثقف من المخلصين وأسألوهم أسئلة محددة في موضوع العلاقة بين الإسلام والقومية، ثم قوموا بتصحيح إجاباتهم فستجدوا إجابات مختلفة ومتناقضة بصورة كبيرة، وهذا التناقض دليل قاطع على الرسوب والتخلف والجهل، ونحن لا نفترض هذه النتيجة بل هي حصيلة قراءات كثيرة ولقاءات ودراسة حول هذا الموضوع (1) . ولو وجد الوعي العلمي الشعبي لما اختلف المخلصون. ولما استطاع الاعداء تشويه أفكارنا أو نشر أفكارهم والمسئولية كما قلنا في هذا التخلف تقع على الشعوب فلا أحد يمنعها من أن تتفقه في دينها وواقعها، ولكن الكثيرين منها انشغلوا في جمع المال أو في السعي نحو المناصب أو الشهوات أو فضلوا النوم والكسل أو في قراءة الجرائد والمجلات لا الكتب والمراجع والجهل بالإسلام ليس فقط عند عموم المسلمين بل هو موجود عند كثير من الملتزمين حيث نجد تعصبًا لعلماء أو فهم مثالي وعاطفي للتاريخ، أو رفض للاجتهاد في الرأي، أو تضعيف لدور العقل!!
2-لا شك أن أفراد المجتمعات الغربية، ولا أقول الحكومات، هم متطورون في علوم التكنولوجيا، والإدارة والتخطيط والاقتصاد والتجارة والزراعة... الخ مقارنة معنا كأفراد، ونحن نعلم أن كثيرا من هذه العلوم متاح لنا،
ونستطيع إكتسابه من خلال الدراسة والقراءة والتدريب، فهل
ـــــــــــــــــــ
(1) يمكن الرجوع إلى كتاب"الطريق إلى الوحدة الشعبية ... دعوة لبناء الجسور بين الاتجاهين القومي والإسلامي"لعيد الدويهيس.
اجتهدنا في ذلك؟ الأجابة معروفة. فالظن بأننا نملك كفاءات علمية كثيرة ظن خاطئ، وعلى شعوبنا أن تدرك هذه الحقيقة، فالفرق بين شعوبنا والشعوب الغربية في المجال التكنولوجي يزيد عن قرنين على الأقل، أما في علوم الإدارة فعلى الأقل قرن واحد، وقد يكون الفرق أكبر من ذلك، والفرق هنا كما ونوعا، فزيارة واحدة لمعاهد بحثية غربية تكفي للاقتناع بذلك. ومن الأمثلة التي تصلح كدليل على صحة قولنا هو عمل دراسة لتقييم الرصيد الشعبي من علم التخطيط، هذا العلم الذي يعتبر أحد العلوم الرئيسية وإذا عملنا هذه الدراسة فسنجد ثقافتنا التخطيطية هزيلة، فالفرق بين الرسالة والتوجه والأهداف غير واضح، أما مفاهيم الاستراتيجية والسياسات والإجراءات فهي متناقضة، والتكامل بين الخطط الطويلة والقصيرة ليس عندنا به خبرة، ولا يوجد تقارب في تحديد المسئولين عمن يضعون الخطط، ودور وأهمية المعلومات والدراسات في العملية التخطيطية موضوع لم يسمع به كثيرون منا، أما الأدوات التخطيطية فلا ندري عنها شيئا، ومع هذا نخطط لمؤسساتنا ووزاراتنا ودولنا مع أن كثيرًا منا لم يتخصصوا في علم التخطيط، وإصدار الفتاوى والآراء لا يحدث في هذا المجال فقط بل أيضا في مجالات كثيرة فنجد سياسيين وصحفيين يتحدوثون في قضايا إسلامية ولا علم كافيًا لهم في العلوم الشرعية، ونجد علماء في الشريعة يتحدثون في السياسة، ومهندسين وأطباء يفتون في العلوم الإدارية، وأحزابًا، وجماعات وأفرادًا يتخذون مواقف سياسية مع أو ضد دون معرفة بالواقع السياسي، فيكتشفون بعد سنوات طويلة أنهم كانوا مضللين، وهكذا تجد تصرفاتنا وآراءنا اشجارًا جذورها تمتد في بحيرات الظنون والانفعال والسذاجة والمعلومات المزورة والمثالية، وبإختصار إن رصيد شعوبنا من العلم بكافة أنواعه هو رصيد قليل لا يتناسب مع طموحاتنا وآمالنا، وإذا أدركنا ذلك سنقتنع أكثر بأن إصلاح الواقع يتطلب أولا إصلاح رصيدنا الشعبي من العلم والجهل والإخلاص، وبإمكاننا إذا أردنا أن نبذل كثيرًا من الجهد في القراءة والتدريب والدراسة والعمل وحتى نختصر الطريق ونحقق قفزات علمية فإننا نقترح ما يلي: