فهرس الكتاب
4-يوصلنا التفكير العقلي/ ولا اقول العلماني إلى الحقائق المادية من خلال التجربة والمشاهدة والاستنتاج، ولهذا لا اختلاف بين الرأسمالين والشيوعيين والمسلمين حول حقائق الذرة والصاروخ والطب والزراعة.. الخ ولكنه لا يستطيع الوصول للحقائق الفكرية أي الحقائق العقائدية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، فالإنسان ليس مادة تخضع للتجربة والمشاهدة والاستنتاج، فكل ماء يغلى عند درجة مئة مئوية، في حين أن ليس كل إنسان يزيد من إنتاجيته إذا حصل على ترقية، أو يعامل زوجته معاملة حسنة، أو يقابل الإحسان بالإحسان، أو غير ذلك، فكيف إذن نتعامل مع هذا الإنسان؟ وكيف نصل للحقائق الفكرية التي تحقق العدل والحق والصواب والخير والسعادة؟ والأسئلة الفكرية كثيرة منها هل لهذا الكون خالق؟ وما الهدف من خلق الإنسان؟ وهل الربا عدل أم ظلم؟ وهل هناك حقوق للفقراء على الأغنياء؟ وما هو موقعنا من اختلافتنا العرقية؟ وما هي العلاقة الصحيحة بين الزوج والزوجة أو الاباء والأبناء؟ وهل الإجهاض عمل مشروع؟ وهل الديمقراطية نظام صحيح أم نظام خاطيء؟ وهل الزنا فضيلة أم رذيلة؟ وغير هذه الأسئلة الكثيرة. ولو حاول العلمانيون الوصول إلى إجابة صحيحة في توزيع الميراث لاختلفوا فالبعض قد يرى أن الصواب هو توزيع
الميراث بالتساوي بين الأبناء، في حين أن آخرين يرون أن للوالدين نصيب ومجموعة ثالثة ترى للأخوة نصيب كذلك، وسيختلفون في نسبة كل فئة من هؤلاء، فالآراء العلمانية كثيرة، ولكل منها مبرراته المنطقية، فأين العدل في هذه القضية؟! وستبقى الإجابة في الفكر العلماني متغيرة ومختلفة من فرد إلى آخر في حين أن الحقائق والصواب في موضوع الميراث وغيره واضحة من الفكر الإسلامي. ومهما ازداد العلمانيون علما وثقافة وخبرة فلن يصلوا إلى حقائق فكرية لأننا لا نعلم كثيرا من الحقائق المتعلقة بالإنسان، فنحن نجهل الكثير في مجال النفس والروح والانفعالات والأسباب والنتائج والدوافع وما يحدث
خلف الجدران، وبالتالي سيصعب علينا التشريع لهذا الإنسان، فإذا عرفنا
بعض الحقائق عن حياتنا الشخصية
الزوجية فنحن نجهل ما يحدث في مئات الملايين من الروابط الزوجية، ومع هذا نجد العلمانيين يفتون في قضايا الزواج وغيره، ويشرعون ولكن أي كلام، فغرورهم مبني على الجهل، ولو كنا أهل علم لاعترفنا بجهلنا وعجز الإنسان عن إدراك كثير من الحقائق لصعوبة الوصول إليها مهما درس وتعلم، فالعلم البشري كله منذ أول إنسان إلى آخر إنسان، وفي كل فروع العلم المادية والفكرية هو قليل فما بالك بعلم فرد أو أفراد محدودين قال تعالى: ?وما أويتم من العلم إلا قليلا? وقال تعالى:?إن الله لا يهدي القوم الكافرين?، وليت العلمانيين وقفوا عند هذا الحد بل اعتبروا التشريع الإلهي تخلفا ورجعية، وهو اتهام لله سبحانه وتعالى بالجهل، وهذا كفر وزندقة، فأين العلمية عندما يتهم العلمانيون الله بالجهل وهم ليس لديهم العلم والمقدرة على خلق ذبابة واحدة والله هو خالق الكون والكائنات والإنسان ويعلم ما في السموات والأرض. والعلمانيون لا يتناقضون فقط في آرائهم بل حتى يغيروها من حين لآخر، فالاجهاض كان حراما، وعقوبة الإعدام اعتبروها عقوبة ظالمة، واليوم أصبح الاجهاض عندهم حلالًا وعقوبة الإعدام عادلة... فالعقل البشري عاجز لوحده، ولهذا أرسل الله سبحانه وتعالى الرسل لهداية الإنسان من خلال بيان كثير من الحقائق له، ثم مطالبته بالاجتهاد ضمن هذه الحقائق. فالعقل البشري يجهل الكثير بل إن كثيرًا من البشر لا يستخدمون عقولهم، وإليكم الأدلة على ذلك:
أ- حتى يصبح المرء طبيبًا عامًا عليه أن يدرس سبع سنوات، وحتى يتخصص في أمراض الجلد أو غيرها يحتاج عدة سنوات إضافية، وسيبقى هذا الطبيب يجهل حقائق كثيرة عقائدية وفقهية وتاريخية وهندسية وإدارية
وسياسية واجتماعية وعسكرية، وأخرى في علوم الكيمياء والميكانيكا
والتجارة والقانون... الخ. وكل تخصص من هذه التخصصات يحتاج
عدة سنوات للتعرف على أساسياته، فالعقل البشري غير قادر على
التعرف على كل الحقائق حتى يقتنع بها، ولهذا ارسل الله
سبحانه وتعالى الرسل حتى يعلموه الحقائق الأساسية في
العقائد والسياسة والحياة الاجتماعية والاقتصادية وأعطى الله سبحانه وتعالى الرسل المعجزات حتى يقتنع العقل البشري بصدقهم، وعموما فمساحة الجهل في عقولنا هي السائدة، قال تعالى: ?وما أوتيتم من العلم إلا قليلا? وسئل أبو يوسف عن شئ فقال:"لا أدري"فقيل له تأكل من بيت المال كل يوم كذا وكذا وتقول:"لا أدري"، فقال:"آكل منه بقدر علمي، ولو أكلت بقدر جهلي ما كفاني ما في الدنيا جميعًا".
ب- يجهل الإنسان كثيرا من الحقائق المحيطة به، فكم من رجل اختار زوجة ثم اكتشف أنها ليست مناسبة له، وكم طالب اختار تخصصا فعرف بعد ذلك أنه أخطأ في اختياره، فهناك من يعترف من الآباء أو الأمهات وبعد سنين طويلة أنهم اخطأوا في تربية ابنائهم وهناك من غيروا مبادئهم وعقائدهم أو مواقفهم السياسية والتي كانوا يرون في يوما ما أنها حق وصواب، فعقولنا ترتكب أخطاء كثيرة جدًا في حياتنا الشخصية، فمن الخطأ أن نثق بها ثقة عمياء.
ج- لا يستخدم كثير من البشر عقولهم في البحث عن الحقائق، وأعداد هؤلاء بالمليارات!! فعقائد الاباء من أديان أو عقائد عنصرية أو خرافات يتوارثها الأبناء، فابناء المسيحيين واليهود والهندوس، وكثير من البشر يتأثرون ببيئتهم أكثر ما يتأثرون بعقلهم، وكثير من هؤلاء انشغلوا بأمور معيشتهم أو بشهواتهم أو جمع المال. وهؤلاء جميعا يؤلفون الكتب، ويتكلمون ويدافعون عن عقائدهم أو سلوكهم بحماس شديد، وهي عقائد اقتنعوا بها بدون دراسة وعقل وبحث أو لمصالح لهم وشهوات. وبعض البشر قد يقتنع بحقائق معينة، ولكنهم لا يتبعونها، وكثير من المسلمين يفعل ذلك، قال سفيان بن عيينة:"ليس العاقل الذي يعرف الخير والشر إنما العاقل الذي إذا رأى الخير اتبعه، وإذا رأى الشر اجتنبه".
د- يقدر العقل على اكتشاف بعض الحقائق مثل هل لهذا الكون خالق أم لا؟ وهل هؤلاء أنبياء أم لا؟ أما ما هي صفات الله سبحانه وتعالى؟ ولماذا خلقنا؟ وهل هناك جنة أو نار؟ وما هو تفسير كثير من الظواهر ذات العلاقة بالنفس البشرية وبالجن فإنه لا يستطيع إعطاء إجابات علمية، كما لا يستطيع الوصول إلى كل الحقائق الاجتماعية والاقتصادية، بدليل تناقض عقول الرأسماليين والشيوعيين والعنصريين ... الخ في هذه المواضيع.