فهرس الكتاب
هـ- من سابع المستحيلات أن يستطيع الإنسان البحث عن الحقائق في العقيدة والأحكام المختلفة والعلوم المادية والطبية حتى يقتنع بها، فالعلم محيطات من المعارف والحقائق، ولهذا عليه أن يقبل ويستسلم ويثق فيما يقوله العلماء كل في مجال تخصصه، ولهذا يصدق الأطباء والعسكريين والاقتصاديين، وإذا كان هذا هو ما يحدث، أليس من العقل أن يصدق ويثق فيما يقوله الأنبياء من حقائق عقائدية وتشريعية، خاصة وأنهم مدعومون بالمعجزات العقلية التي تثبت صدقهم وعصمتهم، بل إن الثقة فيهم هي في حقيقتها ثقة بالله سبحانه وتعالى الذي خلق الكون، ويعلم كل ما فيه. والعلمانية تطالبه ألا يثق بشيء إلا إذا بحث عنه علميًا، واقتنع به، وهذا مستحيل لأن العلم محيطات من الحقائق، فالإيمان الحقيقي بالعلمانية يعني رفض كل ما يقوله الأطباء والمهندسون وغيرهم لأننا لم نتأكد من صواب علمهم، بل إن الحياة مستحيلة عندما تقول كطالب يجب أن أقتنع بالمناهج الدراسية قبل أن أدرسها، ثم تقول كموظف يجب أن اقتنع باللوائح قبل أن أطبقها، وتقول كمواطن لا تطبقوا على القوانين حتى اقتنع أنها صواب أولًا.
5-يحول الاقتناع بالعلمانية الإنسان إلى إنسان مادي لا يؤمن إلا بما يقوله العقل، ويكفر بكل ما في الدين ويعتبره رجعية، وتخلف، فتنقطع علاقته
بالمسجد أو الكنيسة، وتضمحل أو تنعدم العقائد الدينية، والأخلاق والمبادئ، فتنقطع أو تضعف كثيرا علاقته مع الله سبحانه وتعالى، ويجهل سيرة الأنبياء والصالحين، ومن يبتعد عن الله سبحانه وتعالى فإنه يقترب من
الشيطان والضلال والشهوات والماديات. والقرب من الله يزكي الإنسان، ويجعل في قلبه الرحمه، وحب الخير، ويدفعه للأعمال الصالحة من صلاة وصيام وصدقات، وصدق، وعفة، وعلاقات طيبة مع والديه وأسرته، وجيرانه، وأقاربه، ومعلوم أن أفضل البشر أخلاقًا وعلمًا وحكمة ورحمة هم ممن التزموا التزاما واعيا وصحيحا بالدين، فهولاء لا يسرقون، ولا يقتلون، ولا يكذبون، ولا ينافقون، أما من ابتعد عن الدين، فتوقع منه كل أنواع الشر، فقد يقتل ظلما في سبيل مناصب أو أموال، وقد يعق والديه، أو يرجع لأسرته سكيرًا فيضرها أو يخون زوجته أو يتعصب لعرق أو يغش في تجارته أو يكذب في حديثه وما ينطبق على الفرد العلماني ينطبق على الدولة العلمانية، فهي دولة تعيش بلا إيمان، ولا روحانيات، ولا راحة نفسية، وكل ما يهمها المال، وأسعار البورصة، ونسبة البطالة، فلا شيء يهم عندها إلا الأمور المادية، قال جون جونز في كتابه في داخل أوروبا"إن الإنجليز يعبدون بنك انجلترا ستة يام في الأسبوع، ويتوجهون في اليوم السابع إلى الكنيسة"وباختصار إن القرب من الله هو أساس كل خير، والبعد عن الله هو أساس كل شر والعلمانية هي فكرة شيطانية تدعونا للابتعاد عن الله لأنها تفصل الدين عن الدولة، وتفصله عن حياتنا، فابتعادنا عن الدين هو ابتعادنا عن الله، لأن الدين هو الذي يعرفنا بالله سبحانه وتعالى، ويعلمنا كيف نعبده ونطيعه، كأفراد وكدول.
6-وصلنا بالعقل وبالأدلة الفكرية إلى أن وجود الله سبحانه وتعالى حقيقة فكرية، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسوله بما جاء به من معجزة القرآن، وآمنا بأن القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة هما حقائق فكرية عقائدية واجتماعية وسياسية وبالعقل سنتمكن من فهم هذه الحقائق بصورة صحيحة بعيدًا عن التعصب والجمود، وسنتعرف بالعقل على حقائق واقعنا، وسنستخدم كل هذه الحقائق في تحديد الحق من الباطل، والعدل من الظلم والصواب من الخطأ، والفقه الإسلامي هو عبارة عن اجتهاد بشري عقلي ضمن ضوابط وحدود وحقائق قرآنية تمنع العقل البشري من الضلال كما ضل العلمانيون، والاجتهاد قد يكون صوابا،
وقد يكون خطأ، ولكن الخطأ، هو خطأ ثانوي أي اجتهادي، وهو اجتهاد في الفروع لا في الأصول، ولا يؤدي غلى التناقض والاختلافات الجذرية كما يحدث في الاجتهاد العلماني، فالالتزام بالمعلوم من الدين بالضرورة يمنع وجود الاختلافات الجذرية، ويحقق وحدة الأمة على القضايا الأساسية، أما القضايا الفرعية فيجوز فيها الاختلاف لاختلاف العقول والتجارب الشخصية والخبرة ودرجة العلم، وقد اختلف الأئمة الأربعة وغيرهم على قضايا فرعية، وكانوا يحبون بعضهم البعض لأنه هذه من أساسيات الإسلام، فلا مكان في الإسلام الصحيح للتعصب المذهبي، أو العدواة لاختلاف الاجتهادات الفكرية أو السياسية، وليس صحيحًا إطلاقًا ان الاجتهاد جعل المسلمين مختلفين حول كل القضايا، فهناك اتفاق إسلامي حول كثير من القضايا، ونحن نتحدث عن أغلبية العلماء المخلصين قديما وحديثًا، ولا نتحدث عن اجتهادات شاذة ومرفوضة لا تجد من يقف معها، أو اجتهادات لفرق إسلامية لم تلتزم بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وفي كل الأحوال فالمسلمون متفقون على قضايا كثيرة جدًا أكثر من تلك التي يتفق عليها الشيوعيون أو الرأسماليون فالمسلمون الواعون تجدهم في كل مكان يحملون نفس الأفكار، ولهم نفس الأحكام والعبادات والعقائد والعادات، وتكونت مع مرور السنين ثروات عقلية هائلة من العلم والخبرة والاجتهادات والتجارب والحوارات الرفيعة والبحث العلمي والكتب القيمة، وهناك حاجة لزيادة هذه الثروات باجتهادات جديدة تناسب عصرنا، ونستفيد من خبرتنا الحياتية، وخبرة الشعوب الأجنبية، قال الدكتور أحمد كمال ابوالمجد: إن إقامة أحكام الإسلام في
عصرنا تختاج إلى اجتهاد عقلي كبير، وللعقل سبيل إلى ذلك لا يسع
عاقلا إنكاره، فالنصوص - قرآنا وسنة- محدودة متناهية، والحوادث
متجددة غير متناهية، وحركة الزمن سنة من سنن الله، وحركة التشريع
لملاقاة تلك الحركة أمر من أمر الله" (1) وكان علماؤنا المخلصون قديما"
ــــــــــــــــــ
(1) ص 41 حوار لا مواجهة - الدكتور أحمد كمال أبو المجد.
وحديثا مدارس عقلية تبحث عن الحكمة والحقائق، فزيادة دور العقل بعد جمود فكري طويل عملية تصحيحية، أما العلمانية فهي عملية شيطانية، والظن بأن المسلمين لا يستخدمون عقولهم لوجود اجتهادات قديمة ظن خاطئ، فكثير من القضايا التي تواجه الحكومات والمجالس النيابية والقوى الشعبية والدعوة الإسلامية بحاجة إلى اجتهادات جديدة، وندعو إلى تشجيع الاجتهاد الجماعي متعدد التخصصات لتشعب كثير من القضايا، قال الدكتور أحمد كمال أبو المجد:"وحين يمارس الاجتهاد، وتعرض على المشرع والفقيه ورجل السياسة حلول متعددة تقبلها الشريعة، وتتسع لها، فإن الاختيار حينئذ لا بد أن يحكمه فهم الواقع الاجتماعي وتحليل حركته، لذلك وجب أن يستقر في ذهن دعاة الإسلام والمنادين بتطبيق الشريعة أن الجهد الفقهي الخالص لابد أن يتممه عمل اجتماعي واسع حتى تأتي ثمرته رحمة حقيقية للناس" (1) .