فهرس الكتاب
الدنيا من يملكها فكيف أسألها من لا يملكها" (1) . فقد علم هذا المسلم أن الحاكم لا يملك الدنيا وإن إمكانياته محدودة فإن أعطاك مالًا أو منصبًا فهو ليس بقادر على حمايتك من المرض أو الحوادث أو الاغتيال أو الهم أو الخوف أو غير ذلك وليس بقادر على أن يزيد أو ينقص من عمرك دقيقة واحدة ولا يملك على الحقيقة أن يزيد في رزقك شيئا فالأرزاق قد كتبها الله سبحانه وتعالى كما أنه لا يستطيع أن يعطيك علما وبصيرة وحكمة ونورًا كما أن المناصب يؤتيها الله من يشاء وينزعها ممن يشاء والأدلة على كل هذا موجودة في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة والواقع المشاهد فقد شاهدنا أنظمة حكم تزول وحكاما يتغيرون مع أنهم امتلكوا أقوى الجيوش وأفضل الأجهزة الأمنية ولكن المنافقين لا يعلمون وما ينطبق على الحاكم ينطبق على المدير والناظر.... الخ. فإذا كنت تريد الدنيا فمن الذكاء والحكمة أن تسألها ممن يملكها فقدرات المسئولين محدودة جدًا ولا يكون لها مفعول إطلاقا إذا حكم الله بإلغائها في نفعك أو ضرك ومن يؤمن بذلك سيتقرب إلى الله بالصدق والأعمال الصالحة ويبتعد عن النفاق والكذب والانحرافات الأخرى لأنه يعلم أن فيها هلاكه وضياعه وتعاسته في الدنيا والآخرة ومن لم يقتنع بهذا الكلام فعليه أن يسلط الضواء المكثفة على حياة المنافقين ونهايتهم وسيجدهم يفتقدون السعادة مهما نالوا من أموال ومناصب ويفتقدون حب الناس واحترامهم وسيجد أن كثير من المنافقين لم توصلهم أدوات النفاق إلى مناصب وأموال وسيجد في المقابل أن الله سبحانه وتعالى أعطى المناصب والأموال لكثير من عباده الصالحين فقد أعطى سليمان عليه الصلاة والسلام ملكا لم يعطه أحدا من البشر"
وأعطى يوسف عليه السلام منصبا رفيعا مع كثرة المؤامرات ضده
وغير ذلك كثير قديما وحديثًا. قال تعالى: ?ولله خزائن السموات والأرض ولكن
ــــــــــــــــــــ
(1) ص 151 كتاب مناهج العلماء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للأستاذ فاروق عبدالمجيد السامرائي.
المنافقين لا يفقهون?. وتبقى نقطة أخيرة وهي أن فرح بعض المنافقين ببعض المكاسب هو أشبه بفرحة لص بمال سرقه لأن هذا الفرح سيصبح حزنا وندما إذا تم القبض عليه، والمنافق لا يستطيع أن يهرب من عقاب الله سبحانه وتعالى، فالنتيجة المؤكدة شرعاُ أن نهاية كل منافق سيئة جدًا.
4-ارض النفاق: كتب الأستاذ يوسف السباعي رحمه الله سنة 1949 ميلادية رواية بعنوان"أرض النفاق"وهذا يثبت أن النفاق مشكلة قديمة وكبيرة وإليكم مقتطفات منها:
أ-"أجل ... إن الجريدة نفسها قد أصبحت بلا نفاق من يتصور هذا ؟! من يتصور صحافة بلا نفاق؟"ص 253.
ب- كيف يستطيع الناس أن يحيوا بلا نفاق؟ كيف يستطيعون أن يحتمل بعضهم بعضا...؟ كيف يستطيع الزوج أن يعيش مع زوجته لحظة بلا رياء ولا نفاق؟ كيف تستقيم الأمور وكيف تنقضي المصالح؟ كيف تنتظم الحياة ويتعامل الناس وقد خلوا من النفاق؟ كيف تنشأ الأحزاب... وتؤلف الوزارات؟ من ينادي بأمانينا الوطنية ... ومن يخطب ومن يكتب؟ ص276.
ج-"طبعا وزارة بلا نفاق... لابد أن تحل مجلس النواب ومجلس نواب بلا نفاق لا بد أن يسقط الوزارة"ص266.
د-"هذه قصة النفاق والمنافقين وأرض النفاق، قصة قد يكون فيها بعض الشطط وبعض الخيال... ولكن يخيل إلى أن ما بها من حقائق قد طغى على ما بها من خيال.... يا أهل النفاق تلك هي ارضكم وذلك هو غرسكم ما فعلت سوى أن طفت بها وعرضت على سبيل العينة بعض ما بها"ص286.
(جـ) تقليد الغرب
في نفوس أعداد كبيرة من شعوبنا عقائد واقتناعات غربية تبنوها في أفكارهم وأحزابهم وأعمالهم وسلوكهم وأقوالهم، هذه العقائد والاقتناعات تتعارض مع الإسلام، فقد وجدنا في بداية القرن العشرين أن أوروبا هي النموذج الذي نريد تقليده، ثم أصبح النموذجان الأمريكي والسوفيتي هما القدوة، فأنقسمنا إلى يمينيين ويساريين، وأصبحنا نعرف عن الثورة الفرنسية أكثر مما نعرف عن تاريخنا، وعن أفكار الغرب ونظمه أكثر مما نعرف عن ديننا، وأحكامه وليت شعوبنا نقلت أفضل ما عند الغرب من صناعة وزراعة وعلم مادي ولكنها في الغالب نقلت أسوأ ما عنده من تخلف عقائدي وانحرافات اجتماعية، قال كلوت بك:"ذلك لأن الشرقيين إذا هموا بتقليد غيرهم أظهروا في الغالب الغباوة والغشم... وهم لا يأخذون في الغالب من أخلاقنا كلما اختلطوا بنا سوى ما كان منها سيء العاقبة بعيدا عن الصواب" (1) ورفض كثير من مثقفينا حتى البحث عن نظام سياسي واقتصادي اسلامي، ولو كانت شعوبنا واعية لما قام هؤلاء بتجاهل الدين، أو اتهامه بأنه سبب تخلفنا، ولما صفقت لمفكرين وكتاب وأحزاب لديهم انحرافات عقائدية وتشريعية، فشعوبنا مسئولة عن تقصيرها في تبني فكر إسلامي عصري وفي نفس الوقت لم تقل للعلماني أنت علماني مرفوض وللشيوعي انت شيوعي ضال، ولأن البعض لا زال يقلد الغرب تقليدًا أعمى، ولأن هذا الاقتناع أضرنا كثيرا، فمن الضروري أن نسلط الأضواء على جوانب من سلبيات
الحضارة الغربية، وهذا لا يعني أن ليس لها إيجابيات، بل إيجابياتها
كثيرة وخاصة في الصناعة والزراعة والديمقراطية والعدل والمساواة
والإدارة، وتسليط الضواء على السلبيات ليس معناه تبرير لسلبيات في
كثير من دولنا ورضاء بها فنحن نعلم أن عندنا مهازل
ـــــــــــــــ
(1) دليل المسلم الحزين ص 11 - للأستاذ حسين أحمد أمين.
سياسية وعقائدية وعلمية كبيرة، ولكننا مقتنعون بان علاجها هو من خلال تطبيق نظام إسلامي حديث يناسب واقعنا، وليس بتقليد الغرب تقليدًا أعمى، ومن سلبيات الغرب ما يلي:-
1-تخلف الغرب في مجال العقائد كبير جدا، فهو لا يدري هل الله واحد أم ثلاثة؟ ولا يدري لماذا خلق الله الإنسان؟ وهذا من أهم الأسئلة، فالله سبحانه وتعالي لم يخلقنا لنأكل ونشرب ونتطور صناعيا واقتصاديا ونشبع شهوات الجسد، فالإنسان الغربي يجهل المهمة الرئيسية للإنسان في الوجود التي هي عبادة الله بطريقة صحيحة، ولهذا قسم حياته إلى قسمين: العمل والاستمتاع بالحياة وهذا انحراف كبير لا يقارن بالإيجابيات التي يحققها، فلو أرسل حاكم رجلا في مهمة خطيرة، فلم يهتم هذا الرجل بأداء المهمة بل إنشغل عنها في صناعة أو زراعة، وأدى فشله في مهمته دمارًا كبيرًا وقتلًا هل يشفع لهذا الرجل أن يكون قد استغل وقته في صناعة طائرة، أو زراعة قمح! فالإنشغال بغير الهدف الرئيس ضياع كبير، فالاهتمام بالزراعة أو الصناعة ضروري ولكن هناك أشياء أهم بكثير لابد من الأنشغال بها أولا، ويجهل الغرب حقائق أساسية أخرى عقائدية واجتماعية واقتصادية، بل حدث عنه في هذه القضايا ولا حرج، فهو لا يعرف قصص الأنبياء الصحيحة، ولا كيفية الوصول للحقائق الفكرية، فيظن أن البيع مثل الربا، ويعتقد أن الزنا حرية شخصية، وهو لايعرف الفرق بين العبادة الصحيحة والتصوف، ولا يستطيع أن يحدد الصواب من الخطأ في عقائد الشعوب المتناقضة القديمة والحديثة، وهو يجهل الحقوق والواجبات العادلة في الزواج والطلاق والميراث وغير ذلك كثير.
وهذه الحيرة الغربية أصابت شاعر المهجر ايليا ابو ماضي، والذي عاش في أمريكا سنوات طويلة، فترجم هذا الضياع في قصيدته المشهورة"الطلاسم"وإليكم ابياتًا منها:
جئت لا أعلم من أين؟ ولكني أتيت
ولقد أبصرت قدامي طريقا فمشيت
وسابقى سائرًا إن شئت هذا أم أبيت
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري
قد دخلت الدير استنطق فيه الناسكينا
فإذا القوم من الحيرة مثلي باهتونا