فهرس الكتاب
الشبهات ويشجع الاختلافات ويتعاونون فكريا وسياسيا مع أعداء الإسلام والأمة ويستغلون تصادم المصالح واختلاف الانتماءات العرقية والاختلافات الطبقية وغير ذلك في سبيل تحقيق أهدافهم. وعندما يكون العدو داخلي فهو أخطر لأنه يعلم نقاط الضعف ويصدقه كثير من الناس لأن ولاءه الظاهري للدين والوطن. وقد وجدنا منافقين من أهل السياسة خدعوا الجماهير بالشعارات الوطنية والقومية وحتى الإسلامية لأنهم يجيدون فن الكلام الكاذب. قال تعالى: ?وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون? (سورة المنافقون:4) .
وقد آن الأوان أن تكون شعوبنا أكثر وعيا وحذرًا فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين وليس بالإنسان الساذج الذي يسهل خداعه فمن يخون دين الإسلام فلا يجوز أن نثق به حتى لو كان عنده اخلاص لوطن أو قضية فخيانة الدين هي أكبر الخيانات وإذا كان من يخون وطنه يستحق الإعدام فإن من يخون دين الله أشد جرمًا فلا يجوز أن يحتضن معسكر الإيمان جواسيس المنافقين فإذا كان الصراع العالمي أساسه المصالح والعنصرية والعلو في الأرض فإن الصراع الشرعي يجب أن يكون بين من يقف مع الله سبحانه وتعالى ورسله ومن يقف ضد ذلك ونعلم أن المنافقين موجودون ولكن نرفض أن يكونوا من القياديين أو يسمح لهم بتمزيق الجبهة الداخلية ويجب أن نسعى لأن يعيشوا أذلاء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"أخوف ما أخاف على أمتى كل منافق عليم اللسان" (1) . ولنتذكر أن الكذب هو العمود الفقري للنفاق الاعتقادي والعملي وقد قيل: أس النفاق الذي يبنى عليه النفاق الكذب". ولا شك أن النوايا والأعمال والأقوال والعلاقات والمعلومات والمواثيق المبنية على الكذب لن تأتي بخير لا للفرد ولا للمؤسسة ولا للدولة وإذا تحققت بعض المصالح فالأضرار أكثر بكثير وأضرار الكذب دنيوية"
وأخروية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ــــــــــــــــــ
(1) صحيح الجامع الصغير 1554 وسلسة الأحاديث الصحيحة 1013 للألباني.
"عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا" (1) .
2-الحكومات والمنافقون: مما يثبت انتشار النفاق في الأمة هو النظر والتأمل في كثير من المحيطين بالحكومات حيث نجد أنواعًا من المنافقين والنفاق ممن يمدحون الحكومات بالحق والباطل وهدفهم الحصول على مناصب أو أموال أو نفوذ اجتماعي أو سياسي وهذا المدح يكون بمقالات صحفية أو أشعار أو خطب بليغة أو كلام مزخرف.. فيظن المسئول أنهم مقتنعون بقيادته أو يحبونه لوجه الله تعالى أو أنه فلته زمانه ذكاء وحكمة .... الخ فيمتلئ غرورًا وعجبًا فيهلك.
ونعلم أن هناك من الحكام والوزراء من لا يصدقون هؤلاء المنافقين ويرفضون مدحهم ويعلمون أن ولاء المنافقين هو لصاحب المنصب وأنهم متى زالت مناصبهم سيبتعد عنهم المنافقون وسيتقربون لمن يأتي بعدهم وهذا واقع شاهدناه قديما وحديثا فقد كان مجلس وزير في منزله لا يتسع لعدد المهنئين بالعيد فلما انتهى عمله كوزير لم يهنئه إلا فردًا واحدًا وصحيح أن مثل هذا الوزير يلام لأنه قرب المنافقين ولم يقرب الصالحين ولكن هذا دليل على كثرة المنافقين فمنهم علماء في الإسلام وتجار وسياسيون ورؤساء أحزاب وقبائل وقادة عسكريين... الخ قال الخليفة العباسي المنصور:"كلكم يمشي رويد ... كلكم يطلب صيد... غير عمرو بن عبيد". وقيل"كلهم صيادون ولكن الشباك تختلف"وعن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أنه رأى الناس يدخلون في المسجد
فقال"من أين جاء هؤلاء؟"فقالوا من عند الأمير فقال:"إن رأوا منكرًا أنكروه وإن رأوا معروفًا أمروا به؟"قالوا: لا. قال:"فما يصنعون؟"قالوا: يمدحونه، ويسبونه إذا خرجوا من عنده. فقال ابن عمر:"إن كنا لنعد النفاق على عهد"
ــــــــــــــ
(1) حديث رقم 1809 مختصر صحيح مسلم للألباني.
رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما دون هذا" (1) والغريب أن المنافقين لا يعطون الحكومات أي قوة حقيقية فهم أول من يتخلى عنها وقت الشدة كما أن ليست لديهم قوة شعبية لما يعرف الناس من كذبهم ونفاقهم ومع هذا نجد بعض الحكومات تقربهم وتعينهم في مناصب هامة. ومن الضروري أن تتبنى الشعوب والحكومات آلية فعالة تمنع وصول هؤلاء المنافقين لنفوذ حكومي أو شعبي. قال عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه:"من صحبنا فليصحبنا بخمس وإلا فلا يقربنا يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها، ويعيننا على الخير بجهده، ويدلنا من الخير على ما لا نهتدي إليه، ولا يغتابن عندنا الرعية، ولا يعترض فيما لا يعنيه" (2) فليت هذه الكلمات يتذكرها ويطبقها كل حاكم ووزير ومدير ومسئول."
3-كثير من الناس مقتنعون أن النفاق هو الطريق الرئيس للمناصب أو المال أو الراحة ولهذا تجدهم ينافقون لرؤسائهم في العمل سواء كان رئيسهم مدير أو ناظر أو ضابط أو مدرس ... الخ وكثير من هؤلاء مقتنعون أن التمسك بالمبادئ نوع من المثالية أو الغباء.. وهؤلاء يخافون على مصالحهم من ترقيات ومناصب وأموال. ولهذا يسكتون عن الأخطاء والانحرافات ... وكم من كلام يدور بين الموظفين أو المدرسين حول بعض السلبيات فإذا دخل المدير أو الناظر اختفى هذا الكلام واختفت السلبيات وظهر النفاق أما إذا حدث - ونادرًا ما يحدث - مناقشة الأوضاع بصراحة وصدق وجدنا الأغلبية الساحقة تقف مع وجهة نظر المسئول أو على الحياد ولا تقف مع الصدق والحق... ونقول لهؤلاء حدث في التاريخ أنه دخل هشام بن عبدالملك الخليفة الأموي الكعبة فإذا هو بسالم بن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم فقال له سلني حاجة قال: إني أستحي أن أسال في بيته غيره. فلما خرج قال: الآن فسلني حاجة قال: والله ما سألت
ـــــــــــــــــــ
(1) ص 32 صفة النفاق وذم المنافقين للإمام أبي جعفر بن محمد الفرياني.
(2) ص 79 كتاب عمر بن عبدالعزيز للأستاذ خالد البيطار.