فهرس الكتاب

الصفحة 1120 من 2255

د- القوى الشعبية اليمينية: لعل من أهم سلبيات هذه القوى هو تقليدها للغرب في أجزاء كبيرة من ثقافته وعاداته ونظمه ومصطلحاته، ومن عيوبها أنها أحيانا واقعية أكثر من اللازم، وهمومها في أغلبها هي هموم الأغنياء لا هموم كل فئات الشعب، وهي في الغالب تهتم بالجوانب التجارية والاقتصادية، وعندها تجاهل كبير للجوانب العقائدية والسياسية، ومواقفها متخاذلة مع الاحتكار والتبذير والترف والفسق. وسمحت بعض هذه القوى للرأسمالين والعلمانيين بالدخول فيها، والتأثير في أفكارها ومواقفها، وأغلبها تفتقد للجذور الشعبية وفي حاجة ماسة إلى بناء الجسور مع كل فئات الشعب، وعلى

المخلصين فيها أن يدركوا أهمية ذلك، فلا يمكن أن يكون لك تأثير في الشعب إن لم تكن فكرا وسلوكا وعملا فرد منهم، فالكفاح المترف خداع للنفس، والحرص على المناصب الشعبية واحتكارها من قبل أفراد وعائلات ليس له تأثير فعلي في هذا الواقع.

وأهم إيجابيات القوى الشعبية اليمينية هو إيمانها بالتعددية الحزبية، والحرية الصحفية، والاحتكام للدستور والقوانين، ولديها خبرة طويلة وكبيرة نسبيا في الاقتصاد والسياسة والثقافة الغربية، وتؤمن بالتدرج في البناء والحلول الوسط.

التعاون الشعبي العربي

يجب أن يكون التعاون العربي أحد الأهداف الرئيسة لشعوبنا وحكوماتنا ولا يفرض هذا التعاون فقط إيماننا بالإسلام وانتماؤنا العربي، بل تفرضه ايضا مصالحنا في عصر اضطرات فيه أوروبا للتعاون والوحدة لأن وجود الأسواق الضخمة هو أحد أسس النجاح الاقتصادي والتقدم التكنولوجي، والقوة السياسية والعسكرية، ولا شك أن من بديهيات العقول أن أمة متفرقة هي أمة ضعيفة، يسهل هزيمتها وابتزازها، وتحطيمها، وهذه حقيقة أدلتها التاريخية والعصرية كثيرة، وتنطبق على واقع أمتنا العربية، فكيف نصبح أمة قوية وجيوشنا تحارب بعضها البعض؟ وكيف نحقق تقدمًا اقتصاديًا كبيرًا وأسواق أغلب دولنا صغيرة لا تشجع على إقامة المصانع الكبيرة والمزراع الضخمة؟! وكلنا يعرف أن هناك مئات البلايين من الدولارات العربية المهاجرة للغرب والشرق لا تجد أغلبها فرص الاستثمار المناسب داخل الوطن العربي لصغر حجم السوق، أو لاعتبارها أموالًا أجنبية أو لأسباب أخرى. وايجابيات التعاون كثيرة جدًا، ولجميع الأطراف، ويمكن به تحقيق إنجازات عظيمة، وأكبر بكثير من تلك التي تحققها دول متفرقة، وهذه الإيجابيات في كل المجالات الاقتصادية والسياحية والعلمية والتكنولوجية والسياسية...الخ. وإلى متى نتمسك بالعوائق الموجودة من تعصب إقليمي، ووطني أو من قوانين متخلفة لا تشجع الاستثمار أو مصالح ضيقة واحتكارات، فإذا كنا مسلمين حقًا، واشقاء فلنتعامل على هذا الأساس قدر ما نستطيع، ونحن نستطيع الكثير، وإذا لم نفعل ذلك فالطوفان الحالي سيستمر في إضعافنا وتدميرنا، وسيغرق من يظن أنه سينجو لأنه إذا غرقت السفينة سيغرق كل من عليها حتى لو ظن بعض من عليها أنهم يجيدون السباحة، فالأمواج أعلى بكثير من مهارات أفضل السباحين!!!

إذا كان ما قلناه يؤيده الدين والعقل وحقائق الواقع فيحق لنا أن

نقول: إن مبادئ التعاون العربي والوحدة العربية شبه منقرضة في واقعنا

الحالي، وأن السبب يرجع إلى اختفائها من نفوس كثير منا، فهي بعيدة عن تفكيرنا، وآمالنا ومطالبنا، فكأن لا أحد يهتم بزراعة بذورها، أي كأنها شعبيا مفروضة، وهذا هو السبب الرئيسي في أننا لا نشاهد ثمارها، وإصلاح هذا الواقع يتطلب أولا إصلاح ما بنفوسنا من أماني وأهداف وليكن التعاون العربي هدفًا أساسيًا، ونستطيع أن نقول إنه نادرًا ما سمعنا خلال العشرين سنة الماضية حديثًا جادًا في هذا الموضوع، فالجهل بأهمية التعاون مرض شعبي قبل أن يكون مرضًا حكوميًا ونثر أشواك اليأس والسخرية من الداعين إليه يجعلك تظن في أحسن الأحوال أن ما تدعو إليه قضية هامشية لا أهمية لها في الدين، أو السياسة، أو الاقتصاد، والمفروض أن تأخذ هذه القضية اهتماما لا يقل عن اهتمامنا بالحفاظ على ديننا، ونشره، وعلى الديمقراطية (الشورى) وتطبيقها، ولعل من أهم معوقات التعاون العربي هو في نظرتنا الشعبية إليه لأنها نظرة أنانية تريد أن تأخذ ولا تعطي، وما دام الأغلبية يريدون أن يأخذوا، وقلة تريد أن تعطي فلا شك أنه لن تكون هناك ثمار كثيرة، وسيبقى التعاون وفوائده حلمًا وسرابًا ولكن لو حدث العكس فقمنا نحن بالعطاء والمساعدة، وفعل الآخرون ذلك لكثرت الثمار، وتنوعت، واستفاد الجميع، فعلينا أن نتعب ونزرع ونضحي ونصبر وبالتأكيد سنحصد، وهذا ما يفعله الفلاح في أرضه، والموظف في الشركة الناجحة، فإذا فتحت دولة أبوابها للأموال العربية، وشجعتها وساندتها علميا وإداريا وماليا، فإن ثمار النجاح والحصاد ستكون من نصيبها، وسيجد المستثمرون من أهل هذه الدولة فرصًا استثمارية مستقبلية في دول عربية أخرى، لأن المعاملة بالمثل ستفرض نفسها مع مرور السنين إذا تشابكت المصالح وسيجد العمال في هذه الدولة أو تلك فرص عمل كثيرة وسيتم تحقيق إنجازات عقارية وسياحية وصناعية وخدمية ... الخ. ونحن لا ندعو إل تعاون عاطفي وخيالي، ولا نطالب بالمستحيل، وندرك وجود صعوبات عديدة ومختلفة، ولكننا ندرك أن للصعوبات حلولا، وأن هدفنا في التعاون يجعلنا نأخذ المبادرة في تذليل كثير من الصعوبات حتى لو

تقاعس الآخرون، ولنثق بأنه كلما زاد الإيمان في قلوبنا، والعلم في عقولنا

شعرنا بأن كل فرد عربي هو مواطن، وكل شركة عربية هي شركة وطنية، وأن كل استثمار في أرض عربية أو إسلامية هو استثمار في وطننا، وهذا لن يتحقق من خلال طريق مفروش بالزهور، فهناك كثير من الأشواك علينا أن نسير عليها، ونتحمل آلامها، وننبه من يسيرون خلفنا على وجودها حتى يتجنبوها، وسأعطي مثالًا صغيرًا تحقق فيه نجاح كبير، فقد كانت مميزات تركيا السياحية مجهولة، وأخذ بعض الشباب الخليجي المبادرة و"اكتشفوا"هذه الدولة سياحيا، وشجعوا السياح الخليجيين على زيارتها فازداد عددهم وتجاوبت الحكومة التركية بقيادة تورغوت أوزال رحمه الله فألغت تأشيرات الدخول (الفيزا) وشجعت توفير الشقق المفروشة، فازداد عدد السياح بدرجة كبيرة، وأقيمت علاقات تجارية وثقافية كبيرة، وقامت صداقات بين العرب والأتراك. فمن الإخلاص للدين والأوطان أن يتوجه السياح العرب إلى الدول العربية والإسلامية خاصة وأن بعضها لديها مؤهلات سياحية ممتازة.. ونتمنى أن يقوم التجار والعلماء والسياسيون والطلاب والمدرسون... الخ بأخذ المبادرة في التعاون التجاري والصناعي والعلمي والسياسي والتربوي والسياحي... الخ فلنبدأ من حيث انتهى اخواننا فلا نكرر نفس الأبحاث والدراسات، ولا نكرر نفس الأخطاء التجارية والعقارية، بل نزيد نجاحهم نجاحًا، وننقل إليهم تجاربنا الناجحة، فنحن أسرة واحدة، فنجاح أخيك هو نجاح لك ولأبنائك.

وقد يقول قائل: لماذا التعاون العربي، فكثير من مصائبنا مصدرها عربي، فهناك الغرور والطمع والحسد والتآمر، ونقول قد يكون كثير مما تقول صحيحًا ولكن أيضًا كثير من مصائبنا مصدرها أجنبي وكثير منها مصدرها وطني فهل نكفر بناء على ذلك بالتعاون الوطني ونمزق أوطاننا، أو ننعزل عن العالم

ودوله؟ ولندرك أن تمزيق الأمة هو تمزيق للوطن، وهو ليس حلًا لأمراضها، بل هو يزيد أمراضها، ويضعف أوطاننا، ويجعل كل وطن منا فريسة سهلة

للأعداء الداخليين والخارجيين، وعلينا أن نعرف أن الأخيار والأشرار

موجودون في أوطاننا، كما هم موجودون في أمتنا، ومن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت