فهرس الكتاب
6-نشاط أغلب القوى الشعبية يتركز حول الجوانب السياسية،
وخاصة الانتخابات في حين أن العمل الشعبي يتطلب جهودًا كبيرة في
الأعمال الخيرية والاجتماعية والتربوية والعقائدية والإدارية، فالحسابات السياسية لن تكون صحيحة إذا كانت تعتمد على نظرة جزئية للواقع وحقائقه،
فسعادة الشعوب وشقاؤها لا يعتمد فقط على الجانب السياسي،
فالتقدم مطلوب في كل المجالات، وأي نجاح سياسي لا يرتكز على قواعد عقائدية واقتصادية وتكنولوجية واجتماعية فسيكون مصيره الفشل!!!
7-وجود التحزب الأعمى، وافتقاد العدل والموضوعية، وخاصة في الترشيح والاختيار للمناصب القيايدية، فكثيرًا ما يتم تقديم أهل الانتماء الحزبي على غيرهم ممن هم أكفأ منهم من أبناء الشعب، ومع هذا نجدهم يرفعون شعار الرجل المناسب في المكان المناسب ونقول لا بد أن يدرك المخلصون أنهم إذا خسروا العدل والموضوعية فقد خسروا الكثير.
8-التساهل مع المنحرفين في داخل القوى الشعبية، حيث نجد هناك خلطًا بين المعتدليين والمتطرفين في الاتجاه الإسلامي واليمين الإسلامي باليمين الرأسمالي في الاتجاه الليبرالي، واليسار الإسلامي باليسار الشيوعي في الاتجاه الاشتراكي، والقومي الإسلامي بالقومي العلماني أو العنصري في الاتجاه القومي، وحل هذا التلوث ضروري جدًا لتقارب المخلصين لإسلامهم وعروبتهم، والواقعية والعصرية، وهذا التلوث سبب إضعاف القوى الشعبية، وأحيانا تحطيمها. فلنخسر هؤلاء المنحرفين، وسنكسب بإذن الله الكثير جدًا من الواعين المخلصين.
9-كثيرًا ما تحاول القوى الشعبية تسييس الجمعيات المهنية، والاتحادات الرياضية، والمؤسسات الأكاديمية، ونقول يجب أن تبقى هذه المؤسسات مؤسسات عامة لكل الشعب، وأن تهتم بتحقيق إنجازات في مجال أعمالها حتى لا تفقد حياديتها وموضوعيتها.
10-عدم أو قلة مشاورة العلماء المخلصين وأهل الاختصاص قبل تبني القناعات والآراء والقرارات والمواقف، ولا شك أن للعلماء المخلصين الواعين وأهل الاختصاص دورًا كبيرًا في تحقيق الاستقرار السياسي، والترشيد الفكري، وتقريب وجهات النظر، ليس فقط بين القوى الشعبية مع بعضها البعض، بل حتى بينها وبين الحكومات، وقد أدركت بعض الحكومات هذا فكسبت استقرارا سياسيا وتاييدا شعبيا.
والمتأمل في هذه السلبيات يدرك أن بعضها أو أغلبها موجود في كثير من الحكومات مما يثبت أن الحكومات هي صورة صادقة من أخلاق الشعوب وسلوكهم وعلمهم واقتناعاتهم وعقائدهم ودرجة إخلاصهم، وتعالوا بنا لنسلط الأضواء على سلبيات وإيجابيات لقوى شعبية (1) وهي:
أ- القوى الشعبية الإسلامية: من الضروري أن يبتعد بعض علماء الإسلام عن إصدار الفتاوى السياسية، أو اتخاذ مواقف سياسية إذا كانوا يفتقدون المعرفة السياسية المطلوبة، فقد وجدنا بعض العلماء والجماعات الإسلامية يتخذون مواقف سياسية دون أن يكونوا واعين سياسيا، أي دون دراسة وعلم وخبرة في الأمور السياسية، ولا نقول إن الاجتهاد السياسي ممنوع، ولكننا نقول إن الاجتهاد لا يحدث في غياب توفر دراسات سياسية وفي غياب أجهزة سياسية لجمع وتحليل المعلومات مثل تلك التي تتوفر في وزرات الخارجية والداخلية والدفاع. ومن الضروري أن يحدث الاجتهاد السياسي وحتى الفكري بصورة جماعية ومن خلال مجالس للعلماء بعد الاستعانة بأهل التخصص من سياسيين أو اقتصاديين أو أطباء. والقوى الشعبية الإسلامية بحاجة إلى زيادة علمها وأعمالها في علم الشورى وحقوق المرأة، وحقوق الأقليات، وسلبيات التعصب العرقي وعلم الحرية، فالإسلام ليس عقائد وعبادات فقط. ونجد عند القوى الإسلامية ضعفًا في الثقافة العالمية، وتعصبا لبعض العلماء والجماعات، ونجد بعضها تؤمن بالعنف، وتعيش في بيئة من الشك في النوايا والأفعال، وترفض التعددية الحزبية ويضيق صدرها من اختلاف وجهات النظر، ونجد عندها إهمالًا كبيرًا لاكتساب شهادات وخبرات إعلامية وسياسية واقتصادية وإدارية، وعموما فالقوى الإسلامية بحاجة إلى تغييرات
ــــــــــــــــــــــ
(1) نقترح مراجعة كتاب"رؤية إسلامية معاصرة"إعلان مبادئ، للدكتور أحمد كمال أبو المجد لما فيه من فؤائد كبيرة للقوى الشعبية"."
جذرية كثيرة، وقد أعجبتني كلمات قالها الشيخ محمد ناصر الدين الألباني حفظه الله:"نجحنا في التصفية، ولم ننجح في التربية"ولا زلنا ننتظر كثيرًا من الاعترافات من الإسلاميين لأن معرفة المشكلة هي نصف الطريق إلى الحل.
وإيجابيات القوى الشعبية الإسلامية كثيرة لعل أهمها وجود نظام فكري صحيح، ووعي عقائدي إسلامي، ونشاطات كثيرة في الأعمال الخيرية، وارتفاع نسبة الإخلاص، والحرص على الأخلاق الفاضلة، والانتشار في مختلف الفئات الشعبية.
ب- القوى الشعبية القومية: لعل من اهم سلبيات هذه القوى غياب المنهج الفكري، وتجاهل أهميته، والتركيز فقط على القضايا السياسية، وهذا أدى إلى تحول بعضها إلى التكتل حول الولاءات العرقية والشخصية، فغاب دور الدستور والقانون والمبادئ، وشجعت هذه القوى بدعة المستبد العادل، وعارض بعضها التعدد الحزبي، والانتخابات الحرة، وحرية الصحافة، وأغلبيتها تفتقر إلى الوعي العقائدي الإسلامي، ولم تقم بواجبها الإسلامي، فلم تدافع عن العقيدة الإسلامية، ولم يكن لها دور يذكر في نشر الإسلام أو تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، واتخذت بعضها مواقف متطرفة من بعض الجماعات الإسلامية، وسمحت للعلمانيين والشيوعيين أن يدخلوا ضمن صفوفها.
ومن ايجابياتها حرصها الشديد على التعاون والوحدة بين الدول العربية، وتشجيع حركات التحرر العربية، ومحاربة التعصب الإقليمي، وتشجيع الاعتزاز بالهوية العربية، وباللغة العربية، والحرص على الاستقلال السياسي والانفتاح الثقافي، والاعتدال في الأطروحات الاقتصادية.
ج- القوى الشعبية اليسارية: لعل من أهم سلبياتها مواقفها المتخاذلة من الشيوعيين مما جعل الشيوعيين يسيطرون على بعض هذه القوى فأصبحوا كأنهم
طابور خامس في بلادنا موالي للنظام الشيوعي، وهذا أدي إلى
تصادمهم مع القوى الشعبية الأخرى، وخاصة الإسلامية
والقومية كما أدى إلى تصادمهم مع بعض الحكومات ولا شك أن كل مخلص يقف مع حقوق العمال والفلاحين والفقراء ولكن خلط هذه الحقوق بأفكار شيوعية عملية مرفوضة من أساسها وتأثر القوى اليسارية بالشيوعية جعلها تعيش في عالم من الجهل والغرور مما جعلها تصنف الناس بسهولة إلى امبرياليين، وخونة ورجعيين، وجعل أغلب المفكرين اليساريين يعيشون في بيئة فلسفية منعزلة عن الواقع مما جعل جذورها الشعبية محدودة وتقتصر على أعداد قليلة من المثقفين الساخطين تقريبا على كل شيء، وأول وأهم خطوات الإصلاح لهذه القوى هي فك التشابك بين اليساريين المسلميين واليساريين الشيوعيين وهذه الخطوة بديهية ليس لأن النظام الشيوعي انهار فقط، بل أيضا لأن وجود التلوث الفكري الشيوعي جعلها قوة ضعيفة مفككة تفتقد للجذور الشعبية حتى قبل أن ينهار النظام الشيوعي.
أما إيجابيات القوى اليسارية فلعل أهمها الحرص على مصالح الفقراء والعمال ومحاربتهم للتعصب العرقي سواء كان إقليميا، أو قوميا، ورفضهم للتبذير والإسراف والكماليات الزائدة، وحسن علاقاتهم مع الأقليات العرقية والدينية، ورفضهم للمواقف الانهزامية، وحرصهم على المساواة بين الأفراد.