فهرس الكتاب

الصفحة 1118 من 2255

اختيارهم بين الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر وبين الطاعة والمعصية، والطريق السليم في نشر الدين هو في معرفة الإسلام، ودراسته بعيدًا عن التعصب والجهل والظن، وفي الالتزام الصادق بما نؤمن قولًا وعملًا، وفي تبني دعوة سلمية تخاطب عقول الناس بالحجة والبرهان والعقل وفي جهاد صحيح ندفع به ظلم أعداء الدين، ونحمي عقيدتنا، وأراضينا وأموالنا. والدعوة السلمية ضرورية خاصة وإن المبدأ الإسلامي له تأييد شعبي كبير حتى لو كان هناك جهل وانحرافات، ونحن بحاجة إلى شباب ذوي أخلاق عالية، فلا ينتقمون، ولا يحرصون على مصالح شخصية أو مناصب ويريدون الخير للشعوب والحكومات، يكسبون قلوب الناس بالصدق واللين والحكمة والصبر، ويؤمنون بأسلوب ابن آدم الثاني، ويكرهون العنف والدماء والانفجارات. وما نشاهده الآن من صحوة إسلامية في كل مكان ما هو إلا دليلًا واضحًا على نجاح الدعوة السلمية، فأعمال العنف لا تحقق في الغالب غير الجروح والفشل والعدواة والبغضاء، وصحيح أن الدعوة السلمية بطيئة ولكن التغيير الحقيقي هو أيضًا بطيء فالسير خطوة خطوة يؤدي إلى اكتساب خبرات سياسية واقتصادية وعقائدية أما القفز فغالبًا ما يؤدي إلى السقوط، وفهم الإسلام بحاجة إلى وقت وتطبيقه بحاجة إلى وقت، وكذلك إقناع الناس به، وبالتالي فالإصلاح ونشر الإسلام بحاجة إلى وقت خاصة وأن هناك أعداء كثيرون وغزو ثقافي، وجهل كبير، وطريق الدعوة السلمية ليس مفروشا بالورود، بل فيه معاناة وتضحية وصبر وتحمل للأذى، وبذل للوقت والمال، ولا يصبر في هذا الطريق إلا من يريد الأجر من الله، ويعلم أن واجبه الشرعي أن يستمر في الدعوة لآخر العمر سواء استجاب الناس أم لم يستجيبوا فالدعوة السلمية هي جهاد مستمر، فحمل المباديء، أي مباديء، هي عملية مرهقة ولهذا وجدنا كثيرًا من العلمانيين والشيوعيين والرأسماليين يتخلون عن مبادئهم

ويفضلون أن يهتموا بمصالحهم الخاصة أو شهواتهم. ومن أراد أن

يقتنع بمرارة الدعوة السلمية وصعوبتها أن يحاول تحقيق بعض الإنجازات الإدارية في وزارته أو مؤسسته أو شركته، وعمومًا فإن وجوب تطبيق الشريعة ليس

معناه إجبار الشعوب والحكومات على الالتزام بها إذا كانوا لا يريدون ذلك، فهم أحرار في اختيارهم وهم مسئولون عن اختيارهم أمام الله، فلا داعي لإجبارهم بالقوة، أما إذا كانت الأغلبية تريد الإسلام، وظهر صدقها فإن التطبيق سيحدث، وسيخضع الجميع له من يريده ومن لايريده، وصحيح أن رفض الناس للإسلام وإعراضهم عنه شيء مؤلم، فالمسلم يريد الخير لشعبه وأمته، فإذا فشل فيسير في دعوته، ويتركهم لمصيرهم الأسود، قال تعالى: ?فتولى عنهم وقال يا قوم لقد ابلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين? (سورة الأعراف: 79) .

8-قضية الدين ودوره في المجتمع قضية جوهرية، وأساسية، ونحن جميعًا بحاجة ماسة إلى تحديد وتنظيم وترشيد هذا الدور حتى لا يتم استغلاله من جماعات أو حكومات، أو أهل المصالح والأهواء سواء بحسن نية، أو بسوئها، وهناك حقائق نؤمن بها، ونحن بحاجة إلى وضعها في نظم حديثة فمن الضروري وضوح الخطوط العريضة والحدود في دور علماء الإسلام، وصلاحيات الحكومات، وحقوق الأفراد، وما يجوز الاجتهاد به، وما لايجوز، وما يخضع للحلول الوسط، وما يعتبر مباديء وما هي حدود السياسيين؟ وما هي حدود الاختصاصيين؟ ومكانة القضاء وصلاحياته؟ وهذا غيره سيؤدي بإذن الله إلى ترشيد حركة المجتمع، وتطويرها، وحل قضايا كثيرة معلقة، لأننا نتحرك الآن في الغالب على رمال فكرية متحركة لا نستطيع أن نبني عليها بناء شامخا لأننا لا زلنا غير متفقين على الأساسيات والقواعد، وتحديد دور الإسلام في المجتمع يجب أن يتم من خلال اتفاق شعبي حكومي، ويترجم هذا الاتفاق في دستور وقوانين ووثائق واضحة تجعل القوى الشعبية المخلصة والحكومات الصادقة تتعاون، ولا تتصارع، وتتفق ولا تختلف، وإذا لم نتفق على دور الإسلام في المجتمع فلنعلم أننا مختلفون جدًا، وإذا وجدت اتفاقات حول قضايا سياسية أو اقتصادية أو غير ذلك فهي اتفاقات جزئية، ومعرضة للضياع، لأن المتحكم الرئيسي في هذه الحالة معادلة توزان القوى والمصالح، والظروف المحيطة، وكلاهما يتغير مع الأيام.

إصلاح القوى الشعبية

اقتناعنا بأن للإصلاح جانب شعبي أولًا (اتجاهات، أحزاب، جماعات، جمعيات، قبائل، أسر، أفراد) وجانب شامل ثانيا (إداري، سياسي، اجتماعي، عقائدي، تكنولوجي) يفرض علينا القيام بدورنا فورًا في العملية الإصلاحية، فليس صحيحًا أن تحقيق إنجازات كثيرة في التعامل مع إيجابيات وسلبيات الواقع بحاجة إلى قرارات حكومية. وسنحاول أن نسلط الأضواء على إيجابيات وسلبيات القوى الشعبية، وسنرى أن بإمكاننا عمل الكثير، وسنترك الفئات الشعبية الأخرى والجوانب الشاملة لمن يريد أن يتحدث فيها. ومن السلبيات التي نجدها في أغلب القوى الشعبية ما يلي:

1-ضعف الوعي الإسلامي وخاصة في مجال العقائد والسياسة، وهذا الوعي لا يكتسب فقط بالقراءات الكثيرة والحوار، بل لا بد من أخذ العلم من علماء واعين، فبعض القوى الشعبية تريد أن تقود أمة عربية مسلمة دون أن تكون واعية إسلاميًا!!

2-أغلب القوى الشعبية تعتبر نفسها الممثل الشرعي الوحيد للشعوب مع أن الشعوب لم تخترها ولم تحاول حتى أن تشاور الشعوب وتشاركها في صياغة الأهداف والأولويات والآراء، بل نجدها تحاول فرض آرائها وعقادئها على الشعوب، أي هي تريد أن تحكم الشعوب، ولا تريد للشعوب أن تحكم نفسها، فالدكتاتورية مرض شعبي.

3-غياب الحوار العلمي الهادف مع بعضها البعض، فلا توجد دراسات علمية محايدة، ويوجد تعصب للرأي والأفراد، وتوجد مزايدات سياسية

وفكرية، ولا يوجد صبر كاف لنقاش ودراسة القضايا المطروحة، ومن

لا يعرف الحوار العلمي لا يصلح بالتأكيد لأن يقود أمة، وكثير من

القوى الشعبية تعتبر نفسها الواعية والذكية والمخلصة، أما الآخرون فهم

ضائعون وأغبياء ومكابرون، ونقول لهؤلاء تواضعوا وابتعدوا عن الغرور، فللآخرين عقول فاحترموها.

4-غياب البرامج المحددة التي تعكس قناعات واجتهادات القوى الشعبية، فالأغلبية تتحدث عن شعارات وأهداف عامة لا يختلف عليها إثنان، وهي تبتعد عن طرح حلول لمشاكل محددة عقائدية أو سياسية أو اقتصادية، وتفضل أن تتحدث عن المباديء العامة، وتحاول أن ترضى الجميع، ولهذا تبتعد عن القضايا الساخنة، فلا توجد عندها حلول لصراعات عقائدية أو سياسية، أو مصالح متصادمة، أو تخلف إداري واقتصادي.

5-العمل بكافة أنواعه بحاجة إلى الالتقاء مع الآخرين، والتنازل عن بعض الاقتناعات والآراء، والوصول إلى حلول وسط في بعض القضايا، وهذا من بديهيات التعاون والوحدة والقوة، والملاحظ أن المكابرة والعناد والانفرادية في كثير من القضايا هو طبع متأصل في القوى الشعبية، بل إن البعض ليس على استعداد للالتقاء مع الآخرين أو التعاون معهم في قضايا متفق عليها مع أن حجم هذه القضايا يكون أحيانًا كبيرًا جدًا، وتحقق مصالح كبيرة للإسلام والأوطان، ولا أدري لماذا لا نرى أين نحن متفقون؟ ونصر على أن نرى أين نحن مختلفون؟ ولماذا لا نقبل الاختلافات الاجتهادية؟ ليس لأن قبولها يحقق التقارب والتعاون، بل لأن وجودها شيء لا بد منه، ولا يمكن أن تزول، وكانت موجودة بين الصحابة، وبين علماء الإسلام، وبين سياسيين مخلصين، وأخيرًا لماذا لا نرى إيجابيات الآخرين ونشكرهم عليها؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت