فهرس الكتاب
والثاني: من خلال سحب الشرعية عن أهل الكتاب والمشركين وبيان الأسباب.
2.عمل تراكم في الإنجازات العملية: وقد تم ذلك من خلال عدة أشكال:
* إعادة تعريف الهزيمة والنصر: ففي قصة أصحاب الأخدود مثلًا تم الإعلان عن انتصار المؤمنين رغم القضاء عليهم. وهكذا انقلبت موازين النصر والهزيمة. فأصبح بعض ما تراه العين هزيمة يعتبره المسلمون نصرًا، وبعض ما يُرى نصرًا يعتبره الإسلام هزيمة.
* تقديم إنجازات تبشر الناس بغد أفضل: مثل إرسال الناس إلى الحبشة لينجو بهم من التضييق، وليكون نواة انطلاق جديدة، كذلك دعاء الله أن يعز الإسلام بأحد العمرين، فكان إسلام عمر نقلة نوعية، وكذلك إسلام حمزة. ثم كانت محاولات القائد المتتابعة لعرض الإسلام على القبائل وطلب النصرة دافعًا للأتباع الذين يرون أن قيادتهم لم تستسلم للأعداء- حتى ولو لم تكلل هذه المحاولات بالنجاح.
* تقديم إنجازات من خلال تصعيد الخطاب: فالكلام في زمن الصمت يعد فعلًا قويًا يحفز الجماهير. لذلك كان القرآن يتنزل في مكة - رغم التضييق - ليحشد الرأي العام المرتقب بخطاب قوي واضح.
فكان إعلام قوي ضد أئمة الجاهلية {تبت يدا أبي لهب وتب. ما أغنى عنه ماله وما كسب. سيصلى نارًا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد} 21 كذلك خاطب الوليد بن المغيرة خطابًا
قويًا: {سنسمه على الخرطوم} 22 وقال: {ذرني ومن خلقت وحيدًا. وجعلت له مالًا ممدودًا. وبنين شهودًا. ومهدت له تمهيدًا. ثم يطمع أن أزيد. كلا إنه كان لآياتنا عنيدًا. سأرهقه صعودًا} 23.
إن هذا الخطاب الواضح - في عهد الاستضعاف - رغم أنه لا يتعدى أن يكون قولًا؛ إلا أنه يتحول عند الرأي العام إلى فعل وأي فعل. فالكلام في زمن السكون فعل، حيث أن قليلين هم الذين يتحدثون24.
3-عمل تراكم في الإنجازات العملية:
الرسول صلى الله عليه وسلم والبعث النفسي
إعادة عرض التاريخ
عمل تراكم في الإنجازات العملية
إعادة تعريف النصر والهزيمة
تقديم إنجازات فعلية
تصعيد الخطاب
الإشارة إلى الخط الرابط المتصل من لدن آدم وحتى تابعيه
سحب الشرعية عن أهل الكتاب والمشركين
حسن عرض الإنجازات العملية
آلة إعلامية ضخمة تعلن عن الإنجازات وآثارها الإيجابية بشكل مؤثر
ونحب هنا أن نؤكد على أمر ثالث: وهو أن التراكم في الإنجازات العملية وحده لا يكفي، بل لابد من حسن عرض هذه الإنجازات على المجتمع لتتولد عنده القوة الدافعة. فالفعل الإيجابي المؤثر وحده لا يكفي؛ بل لابد أن تتبعه آلة دعائية إعلامية تعلن عن الإنجازات وعن آثارها الإيجابية بشكل مؤثر. وسنشير لاحقًا إلى آليات البعث النفسي.
وإذا نظرنا إلى شروط البعث النفسي الثلاثة (الإيمان والعزة والأمل) ومعايير تحقيقها على أرض الواقع، سنجد الإسلام قد غير الروح المعنوية للأمة في مواجهة الآخرين ببعث المشاعر الثلاثة من خلال:
1.الإيمان برسالة الأمة.
2.والاعتزاز باعتناقها والانتماء للأمة.
3.ثم الأمل في تأييد الله لها.
كما سنجد اليابانيين عملوا على بعث شعورهم في عصرنا الحديث من خلال:
1.الإيمان بقدراتهم.
2.والاعتزاز بشعبهم.
3.ثم الأمل في أن يصبحوا القوة الأولى.
وكذلك الألمان في عصرنا عملوا لبعث شعورهم على نفس المحاور:
1.الإيمان بقدرتهم على النصر.
2.الاعتزاز بتفوق العرق الآري.
3.الأمل في أن يصبحوا إمبراطورية عظمى.
ولننظر كذلك إلى بعث شعور اليهود بقوميتهم وعلى نفس المحاور كجزء من المشروع الصهيوني.
ولننظر إلى المكنة النفسية الأمريكية اليوم وما تحاول أن تفعله.
ولكن هل تتم عملية البعث النفسي بهذه السهولة أم أنها تجد من الصعوبات ما يجعل تحقيقها من أشق خطوات الفعل النهضوي؟؟!!
الحرب النفسية
إن ساحة الفعل النهضوي مليئة بالصراعات والمتناقضات. ففيها الصديق والمتحالف والمحايد والخصم. وبنفس القدر الذي نحاول به بعث المكنة النفسية في مجتمعاتنا يستخدم الخصم الحرب النفسية لتحطيم هذه المشاعر الثلاث: (الإيمان والعزة والأمل) .
يقول أحمد نوفل في كتابه"الإشاعة":"..الحرب النفسية هي الاستخدام المحقق للدعاية25، أو ما ينتمي إليها من الإجراءات الموجهة للدول المعادية أو المحايدة أو الصديقة، بهدف التأثير على عواطف وأفكار وسلوك شعوب هذه الدول بما يحقق للدولة المواجهة أهدافها.."26
إذن هناك طرف معادٍ يقوم بالدعاية بأسلوب مخطط، في محاولة غزو نفسية المجتمعات العربية والإسلامية. ويحقق أهدافه من خلال هذا التلاعب بالأفكار والعواطف عند الآخرين. ويقول المؤلف في موضع آخر:".. ولقد آتت هذه الحرب أكلها، ووصلت إلى نتائجها، لأول مرة في تاريخ المسلمين، هزيمةً روحيةً وشعورًا بالتفوق المنهجي الغربي"27 ويقول تشرشل:"كثيرًا ما غيرت الحرب النفسية وجه"
التاريخ."28"
إن الحرب النفسية حقيقة واقعة على مجتمعاتنا من قبل أعدائنا. وهي حرب لديها برامجها وفكرتها المركزية وفكرتها المحفزة. وهي حين تغزو المجتمعات، فهي تعتقد أنها هشة، وأنها قادرة على امتصاصها، والتلاعب بها، وتُستخدم في توجيه هذه المجتمعات، بحيث تنساق وراء مطالب الدول المهيمنة.
ويقول محمد صفا في كتاب"الحرب":".. المحاربة النفسية تتجه بكل ثقلها للضغط على الأعصاب، فتلقي في روع السامع شعورًا بعقم المقاومة وحتمية الهزيمة.."
وهكذا سنجد أن الحرب النفسية تتميز بالقدرة على تدمير الإرادة الفردية وإحداث التدمير الاجتماعي."..وترتبط الحرب النفسية ارتباطًا وثيقًا بظاهرة الرأي العام وشروط تكونه والثبات عليه أو تغييره. وهي تلعب الدور الرئيس والمميز في تكوين هذه الشروط. وهنا يتدخل علم نفس الجماهير كلاعب أساسي على مسرح الحرب النفسية.."29
ما هي المواضيع الرئيسة للحرب النفسية؟
لقد حفل التاريخ القديم والحديث بنماذج متعددة من الحرب النفسية، والتي شملت المواضيع التالية:
* دس الذعر.
* شتم العدو وتحقيره.
* دس الشائعات ونصب الفخاخ.
* تضخيم قوة الصديق والمبالغة في حجمها.
* إثارة البلبلة والتوتر والفضائح.
* الحيلة والإيحاء.
* الترغيب والترهيب والتضليل ورسم الآمال الخيالية.
* استغلال الانشقاقات الدينية والعقائدية أو خلقها.
* التهديد بالسلاح المتفوق.
* عقيدة العدو افتراءً غير محق.
إلى ما هنالك من مواضيع أخرى.30
كيف تتلقى الجموع هذه الحرب النفسية؟
وحتى نعلم كيف تتلقى المجتمعات هذه الحرب النفسية الموجهة يجب أن نشير إلى أقسام الرأي العام31 في فترات السكون ثم في مراحل الأزمات.
أولًا: في فترات السكون والدعة:
سنجد أن المجتمعات تنقسم إلى ثلاثة أقسام كبيرة:
1.عقل قائد: وهم صفوة المجتمع من القادة والمفكرين والعلماء والساسة، وهؤلاء نسبتهم ضئيلة في المجتمع، وهم يصنعون الدعاية ولا يتأثرون بها.
2.عقل مثقف: وهم المتعلمون والمثقفون الذين يشاركون في صناعة الرأي العام والتأثير على من دونهم من حيث الثقافة.
3.عقل العوام: وهو يمثل الرأي العام الشعبي. وهو ما يمكن أن يطلق عليه (رأي أنثوي) ، أي يهتم بالعواطف وينساق وراءها، ولا يُحَكِّم العقل.
4.ثانيًا: في فترات الأزمات:
وسنلحظ هنا ظاهرة عجيبة. وهي اختفاء الشريحة الثانية في أوقات الأزمات. حيث يتحول العقل المثقف إلى عامي وبالتالي ينضم المثقف إلى الرأي العام العامي. وبذلك نجد أمامنا شريحتين: عقل القائد وعقل العامي.