فهرس الكتاب
ومن الأمور العجيبة أن حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب رغم أنهما أسلما في نهاية العام الخامس من البعثة إلا أنهما سبقا في أدائهما ونصرتهما للمشروع الإسلامي الكثير ممن رافقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ اليوم الأول وتربوا على يديه الشريفتين. قال ابن مسعود: إن إسلام عمر كان فتحًا، وإن هجرته كانت نصرًا، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا ما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشًا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه.58 فما الذي تربى عليه عمر رضي الله عنه حتى يتأهل للقيام بهذه المهمة، التي لم يستطع أن يقوم بها من سبقه من الصحابة والذين سبقوه في التربية كذلك.
يتبين لنا مما سبق أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحدد جرعة تربوية يجب على المسلم أن يأخذها قبل أن يلتحق بالعمل في المشروع الإسلامي - اللهم إلا الشهادتين - ثم يستكمل تربيته في غمار الأحداث.
2-القسم الثاني:
الذين أخذوا الأمر من الرسول صلى الله عليه وسلم بترك مكة وهؤلاء صنفان:
صنف بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة بعد سنتين من جهرية الدعوة وقال لهم صلى الله عليه وسلم:"لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل لكم فرجًا مما أنتم فيه"59.
وصنف أسلم وعاد إلى قبيلته يدعوها، ثم عاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة بعد أن أظهره الله.
والذي يتأمل في إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم لصحابته إلى الحبشة - وهم ما زالوا حديثي عهد بالإسلام - يتبادر إلى ذهنه مجموعة من التساؤلات:
* ما المدة الزمنية التي قضاها الصحابة في الحبشة؟
* من الذي كان يربيهم في الحبشة طوال هذه الفترة؟
* ألم يكن أهلها يدينون بالنصرانية التي قد تفتن المسلمين؟!
لقد كانت الهجرة في السنة الخامسة من البعثة، وعلى أفضل التوقعات فإن الوحي كان يصل للمسلمين في الحبشة بشكل أو بآخر، لكن شخص النبي صلى الله عليه وسلم - المربي- لم يكن معهم. وقد ضمت هجرة الحبشة الثانية حوالي ثلاثةً وثمانين رجلًا وثماني عشرة امرأة. وإذا تأملت هذا العدد فستجده يتكون من مجموعة كبيرة وكتلة ضخمة من الذين أسلموا. وها هو الرسول صلى الله عليه وسلم يبعدهم عنه وعن محضنه التربوي لمدة تقرب من الخمسة عشرة سنة، ليعودوا مرة أخرى إليه بعد فتح خيبر في السنة السابعة من الهجرة.
إنها خمسة عشرة سنة كاملة وهم بعيدون عن النبي صلى الله عليه وسلم . فمن الذين رباهم وعلمهم؟! وكيف يخاطر الرسول صلى الله عليه وسلم ويبعث بهذه المجموعة - حديثة العهد بالدين الجديد - ليقيموا وسط مجتمع نصراني يتعصب لعقيدته ذات الشرعية التاريخية ويدافع عنها؟! وهل بعد قدومهم إلى المدينة أجلسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جواره ليستكملوا تربيتهم ويأخذوا ما فاتهم أم أطلقهم لاستكمال المشروع جهادًا وبذلًا؟!
إن المتأمل في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم سيجده قد أطلق جعفر بن أبي طالب - زعيم المهاجرين إلى الحبشة - أميرًا على رأس الجيش في غزوة مؤتة بعد عودته إلى المدينة ببضعة أشهر فقط. وكان في الجيش عبد الله بن مسعود والمقداد بن الأسود.60 وهما من مهاجري الحبشة أيضًا.
هذا عن مهاجري الحبشة، أما بعض الصحابة الآخرين فقد أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالعودة إلى قبائلهم. وكان منهم أبو ذر الغفاري الذي أسلم ولم يأت النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة إلا ومعه قبيلتي أسلم وغفار. ترى من الذي ربى أبا ذر وقبيلتي أسلم وغفار طيلة هذه الفترة؟!
3-القسم الثالث:
ويمثله مجموعة من الأوس والخزرج الذين أسلموا ولم يتلقوا هذه التربية المكية الطويلة فكان إسلامهم إسلام جهاد ونصرة. ولا يختلف اثنان في قصر المدة الزمنية للتربية التي تلقاها الأنصار إذا ما قورنت بالمهاجرين.
4-القسم الرابع:
ويمثله من أسلموا أثناء الجهاد والصراع مثل خالد بن الوليد. فإذا به يقود جيوش المسلمين بعد عدة أشهر من إسلامه رغم أنه لم يمر بعملية تربوية معقدة تستمر عشرات السنين.
5-القسم الخامس:
ويمثله بعض الذين كانوا يكتمون إسلامهم في مكة أو لم يسلموا إلا قبيل الفتح. وقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم بعضهم مثل العباس، فكان ممن شهد بيعة العقبة الثانية - وهو لم يسلم بعد - بينما لم يعلم
بها الكثير من الصحابة آنذاك. ترى ما هي نظرية الرسول صلى الله عليه وسلم في التربية؟! وكيف يقدم عمه وهو غير مسلم؟! أليس معرضًا للفتنة؟! إنه لم يرتقِ إيمانيًا؟! ترى هل يثبت؟!
6-القسم السادس:
ويمثله الذين أسلموا بعد الفتح من أمثال عكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو وصفوان بن أمية. وكلهم كانوا من الذين أبلوا بلاءً حسنًا فيما بعد. وثبتوا في وجه موجة الردة التي اجتاحت الجزيرة العربية عقب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم البون الشاسع - من حيث التلقي من النبي صلى الله عليه وسلم - بينهم وبين السابقين الأولين من الصحابة الأخيار رضوان الله عليهم جميعًا.
كيف نقرأ كل هذه الممارسات التربوية النبوية؟ وماذا كانت رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم للعملية التربوية؟!
خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا61
هذه هي القاعدة التي وضعها رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي تفسر لنا فكرة التربية. إن التربية أمر لابد منه، وهو مستمر مع الإنسان حتى مماته. لكن الإنسان المبدع القوي المنتج وهو خارج دائرة الإسلام هو نفسه داخل دائرة الإسلام إذا فقه الدين وفقه حقيقة المعتقد الجديد الذي آمن به. فكم أخذ عمر بن الخطاب من لحظة اعتناقه للإسلام إلى أن يصبح قائدًا لأول مسيرة - إن صح التعبير - طافت حول الكعبة؟! كم أخذ من الوقت؟! وهل تلقى قدرًا معينًا من المعلومات قبل انطلاقاته حتى يُجاز لمثل هذا الفعل؟! يقول ابن مسعود من رواية البخاري {ما زلنا أعزة منذ أن أسلم عمر} . إن عمر رضي الله عنه
كان قوة للإسلام، ولم تكن قوته مستمدة من التربية التي تلقاها أول إسلامه، بل هو الذي منح المسلمين القوة بإذن ربه.
فحمزة وعمر رضي الله عنهما كانا أصحاب بأس وعزم وقوة في الجاهلية، فلما أسلما سخرا هذه القوة للإسلام. لكنهما لم يكونا بحاجة إلى تربية خاصة ليكونا أقوياء. وبالمثل كان سيف الله المسلول خالد بن الوليد فارسًا بطبيعة الحال. وقبل إسلامه كان سيفًا مسلطًا على أعدائه. فكان هو الذي اكتشف ثغرة المسلمين في أحد فهجم عليهم وقتل خيارهم. إن خالد بن الوليد لم يصنع منه الإسلام سيفًا، وإنما جاء الإسلام ليشرفه بأن يكون سيف الله بدلًا من أن يكون سيف الكفر. فتربية خالد بن الوليد لم تستغرق وقتًا طويلًا حتى يكون مؤهلًا لقيادة جيوش المسلمين لأنه كفء لهذه المهمة.
لقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر وصفًا رائعًا فقال: {ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر} 62. لقد صدح أبو ذر بالإسلام - عقب إسلامه في مكة - رغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمره بذلك، فكان هذا النعت له بأنه صادق اللهجة، إذا عرف الحق صدح به. وهكذا كانت حال أبي ذر قبل أن تتدخل أي تربية جديدة لتصوغه، فإن أسلم فهو صادق في الحق، لا يخاف في الله لومة لائم.
إن عملية التربية لم تكن تستغرق زمنًا طويلًا قبل أن يؤذن للفرد بالعمل. فالعمل في ذاته تربية، وهذا الانتقال لمواجهة الواقع تربية. فليس هناك ارتباط شرطي بين التربية الطويلة و بين نتائج العمل و بين العمل الذي سيقام به.
الجميع يشارك في المشروع الإسلامي
يتبين لنا مما سبق عظم هذه القاعدة الجليلة. فخيار الناس في الجاهلية هم خيارهم في الإسلام. ولذلك فعلى الجميع أن يشاركوا في المشروع الإسلامي. أما التربية وتعلم العقيدة فتكون مع الحركة والبذل، وإلا فنحن نبتدع ما لم يقم به رسول الله صلى الله عليه وسلم .