فهرس الكتاب

الصفحة 1151 من 2255

وهكذا لابد أن تتغير فكرة أي مشروع نهضوي عن العلم والتكنولوجيا. ويجب أن تفكر أي حركة نهضوية، وأي حركة استقلال، في الآلية التي يمكن بها الانتقال من عالم الطفولة العلمية إلى عالم المعرفة والرشاد والنضج العلمي.

رابعًا: القوة والاستعداد

تحتاج مجتمعاتنا الإسلامية والعربية اليوم إلى القوة والاستعداد في كل الاتجاهات. فمجتمعاتنا تحتاج إلى قوة عسكرية، وهي مسألة يجب التفكير فيها مليًا. فالسماء الإسلامية مستباحة رغم كثافة السكان وإمكانية الحصول على الأسلحة التقليدية. كما أن قوى الردع التي يجب أن تتاح لهذه المجتمعات غير موجودة في مقابل منظومات تمتلك قوة تدميرية شاملة.

إن العمل الشاق الذي يجب أن نفكر فيه هو كيفية امتلاك أدوات تحمي السماء الإسلامية، وقوة ردع تجعل عملية التفاوض مع الأطراف الأخرى ممكنة. وبالتالي ننتقل إلى عالم الإنسانية المتوازنة؛ لا نعتدي فيه على الآخرين؛ ولا يعتدي فيه الآخر علينا. أما حالة الاستضعاف التي نمر بها، فهي تؤدي إلى معاهدات غير متكافئة، وتؤدي إلى أن يفرض الآخر شروطه على حساب مصالح شعوبنا وأممنا ومنظوماتنا القيمية.

وبالتالي فعلوم الفضاء وما يتعلق بها والعلوم المتعلقة بقوى الردع هي من فروض الأعيان التي تأثم الأمة بتركها، ولا تتحول إلى الكفاية حتى تتحقق الكفاية.

خامسًا: منظومة قيمية صالحة وفاضلة

إن وجود منظومة قيمية صالحة يعد من عناصر القوة، وحركة النهضة يجب أن تفكر في هذه القضايا الثلاث الكبرى قبل القضايا الأيديولوجية:

أولًا: درجة العدل التي يجب أن تتوفر في هذه المجتمعات للإنسان كإنسان.

ثانيًا: حجم الكرامة المتوفرة للإنسان في المجتمعات التي نريد أن نبنيها. فكثير من النشطين والداعين لحركة النهضة الإسلامية يختزنون منظومات غير عادلة للإنسان وكرامته. تحدوهم في ذلك مفاهيم مغلوطة عن التفوق والتميز الذاتي بسبب من الأسباب. ومن العجيب أن يقول شخص ما"إننا نمتلك الدعوة الحق والآخرون على باطل، بالتالي يجب أن نهيمن عليهم"!! ولمثل صاحب هذه المقولة نقول ومن الذي يعتقد - وهو في منظومة أخرى - أنه على الباطل؟؟!!!

إن كل شخص يعتقد أن ما يتبناه هو الحق. ولو أراد كل طرف من الأطراف أن يؤسس المجتمع على منظومته التي يراها مع وجود تعددية وأطراف أخرى لا تقبل بمثل هذه المنظومة، لوجدنا عالمًا من الاقتتال لا تهدأ له ثائرة. بينما يمكن للإنسان أن يعيش في منظومة يتمتع فيها بالكرامة الإنسانية. وذلك عمل فكري ومنهجي شاق، يجب أن تتبناه المجتمعات الإسلامية؛ ليس بدعوى حقوق الإنسان أو الضغوط الخارجية، ولكن بسبب هذه الحقيقة المنطقية، وهي أنه حتى في المجتمعات الإسلامية فإن هناك فوارق بين الطوائف والمذاهب الإسلامية.، فإذا قررنا أن من يختلف معنا في مذهب من المذاهب أو رأي من الآراء هو مواطن من

الدرجة الثانية أو الثالثة لا يحق له كذا وكذا وكذا، لنشأت صراعات لا تنتهي، ولقننت قوانين لا يقبل بها العقل الإنساني، أو المنهج الرباني الذي أنزل الميزان والكتاب ليقوم الناس بالقسط.

إننا نحتاج إلى مراجعة المنظومة القيمية، وتحديد معنى المفاهيم المطلقة؛ كالحرية، والعدل، والمساواة. وأن يتم التراضي حول هذه القيم، وإسنادها بالأدلة الشرعية والعقلية والمصلحية، حتى يمكن أن تصبح قانونًا عامًا عند العاملين في مشروع النهضة، وإلا تحطمت كل الجهود بعد أول خطوة من التنفيذ، ولأصبحت العلمانية هي غاية ما يرجوه أي مجتمع من المجتمعات بشكلها القائم، لأنها تشكل خلاصًا للإنسان من هذه المعاناة، بدلًا من استمرار الحروب، والاقتتال حول قضايا الأيديولوجيات التي لا تسمح للآخرين بالعيش في ظلالها. والأمثلة على ذلك كثيرة.

سادسًا: المال والاقتصاد

لا يمكن أن تنهض المجتمعات إلا إذا كان لها نظام اقتصادي صلب، يسمح للإنسان بأن يحقق ذاته وكرامته، وأن لا يقع فريسة للفقر بأي حال من الأحوال. ويجب أن يكون هذا هدفًا اجتماعيًا كبيرًا. وعميلة الاقتصاد ليست بالبساطة التي يتصورها البعض اليوم، فعملية بناء البنية التحتية في مجتمع من المجتمعات، تحتاج إلى:

* مليارات الوحدات النقدية.

* عقول جبارة تخطط لهذا العمل.

* قدرات تنفيذية قد لا تتاح في المجتمعات الإسلامية في لحظة ما.

فالتخطيط الاقتصادي لإيجاد نظام اقتصادي جديد في هذه المجتمعات في ظل المعطيات الحالية هو عمل ضخم، وليس بالعمل الهين الذي يختزله البعض في مقولة"اتباع الكتاب والسنة"، على ما في هذه المقولة العامة من صواب.

سابعًا: أسس النظم:

يحتاج كل مجتمع إلى نظم. ويحلو للبعض القول بأن كل شيء موجود في الكتاب والسنة، وما علينا إلا تطبيقهما لتصلح المجتمعات. وذلك قول صحيح، ولكنه عندما ينزل إلى أرض الواقع يحتاج إلى الكثير من العمل والتفكير، خاصة في وجود نصوص قطعية الثبوت ظنية الدلالة، فتتعدد الأفهام وتتباين الرؤى،

وعندها يصبح المرجح الحقيقي في ظل هذا التباين هو المصلحة المحققة من هذه النصوص، وليس مجرد النصوص في حد ذاتها.

فنحن نحتاج إلى منظومة سياسية واجتماعية وتربوية وخلقية. فوجود هذه النظم مجتمعة في مجتمع ما توجِد له القوة التي ترتكز عليها بقية الأمور. وكلما ازدادت صلابة المجتمع في نظمه ازدادت قوته في العلم وفي التصنيع والجيش، وتعززت منظومته القيمية، وتعززت الآمال عنده، وازداد اعتزازه بذاته وبفكرته، وحقق نهضته وتقدمه وتنميته.

اعتزاز شديد بالذات

روح مشبعة بالأمل

قوة

واستعداد

العلم الغزير

منظومة قيمية صالحة

مال

واقتصاد

أسس

النظم

الدعائم السبعة للنهضة

الخاتمة

لقد حاولنا في هذا الكتاب أن نسبح في بحر قوانين النهضة، وقد حرصنا من خلال هذه الدراسة وهذا الترحال بين القوانين أن نبين لقادة وطلاب النهضة كيف يتم البحث في القوانين، وكيف يتم التعامل معها بعد اكتشافها، من حيث المعرفة والاستخدام وعدم المصادمة.

ومشروع النهضة اليوم - وهو يرفع راية الانطلاقة العلمية والبعد عن الارتجال - حري بقادته أن يتعلموا هذه القوانين ويبحثوا عنها، ويستكشفوها، ويعلموها لطلاب النهضة، فسنن الله لا تتبدل، ولا تحابي أحدًا.

إن القوانين التي تحكم عمليات التحول الاجتماعي كثيرة، ذكرنا نذرًا يسيرًا منها، لنفتح بابًا لعله كان مغلقًا، ونوقد شعلة لعلها تضيء الطريق للطامحين نحو التغيير، وعشاق القمم من قادة وطلاب النهضة.

هذا ونسأل الله أن يتقبل منا هذا العمل، وأن ينفع به قارئه وكاتبه، وأن يكون خطوة نحو التمكين في هذا الطريق الممتد، والذي تبدو فيه الأشواك كثيرة، إلا أنه معبد لمن تسلح بالعلم وتوكل على الله، وهام بجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.

ثبت المراجع

أولًا: المراجع العربية:

1.السيرة النبوية لابن هشام (1/365) .

2.برغوث عبد العزيز بن مبارك، المنهج النبوي والتغيير الحضاري، كتاب الأمة، العدد (43) ، السنة الرابعة، رمضان 1415هـ.

3.د. جاسم سلطان، النهضة.. من الصحوة إلى اليقظة.

4.جون بيريه، الذكاء والقيم المعنوية في الحرب، ترجمة: أكرم ديري، الهيثم الأيوبي، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الثانية.

5.مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا.

6.د.حسن محمد وجيه، مقدمة في علم التفاوض الاجتماعي والسياسي، سلسلة عالم المعرفة.

7.داني كوكس وجون هوفر، القيادة في الأزمات، نقله إلى العربية بتصرف: هاني خلجة، ريم سرطاوي، بيت الأفكار الدولية، 1998م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت