فهرس الكتاب
نداولها: جاء في المعجم الوجيز في معنى كلمة (دال) الدهر مثلًا أي انتقل من حال إلى حال. و (أدال) الشيء أي جعله متداولًا. و (داول) الأمر بينهم أي جعله متداولًا تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء.
فالمقصود أن الأحداث والوقائع لا تستمر على حال ولا منوال واحد؛ بل هي تارة لهذا الطرف وتارة أخرى للطرف الآخر. فدوام الحال من المحال. فالمنتصر اليوم كان مهزومًا بالأمس، وهكذا تمضي الحياة. يوم لك ويوم عليك.
أهمية القانون
يزرع الاعتقاد بهذا القانون الأمل في قلوب طلاب النهضة. إلاَّ أنه ليس أمل بارد بلا حراك؛ بل أمل يصحبه استعداد للفرص القادمة وعزم على اقتناصها.
قانون الأمل العائد
يقول عماد الدين خليل: هذا القانون يمكن أن نسميه قانون الأمل العائد، فمع ضياع أي فرصة فلا زالت هناك فرص أخرى قادمة، ومن فاته قطار اليوم سيلحق بالقطار التالي، لذا يجب أن يكون جاهزًا لركوبه وإلا فاته واضطر لانتظار القطار الذي يليه، وهكذا..
فإذا كان الأمل مستمرًا سواء كان الوضع يبدو يائسًا في لحظة تاريخية معينة أم لا، فعلى قادة وطلاب النهضة الأخذ بقانون التداول القائل بأن ذلك الوضع لن يدوم، وأن علينا واجب الاستعداد والتحرك المستمر، بحيث لو أتى القطار في اللحظة التي يقدرها رب العالمين، نكون قادرين على اقتناص الفرصة والصعود وتحقيق المغانم والنصر. وهذا ما يسميه عماد الدين خليل"الاستماع لللحظة التاريخية".
إذن هناك عملٌ قبل وجود الفرصة، وهذا العمل القبلي من الاستعدادات يؤكد على اليقين بعملية التداول، واليقين بعملية التداول ينفي عملية اليأس التي تصيب الناس من رؤية قوة طاغية كالاتحاد السوفيتي في لحظة معينة، أو كالولايات المتحدة الأمريكية في عصرنا الحاضر، أو كالرومان والفرس في عصر ما.
قانون التداول
الاستعداد القبلي
اغتنام الفرصة
العمل البعدي
إذن يعلمنا هذا القانون أن كل وضع يبدو صعبًا في لحظة ما فإنه سيصبح هشًا في لحظة أخرى لاحقة، وإلا تعطل قوله تعالى:"وتلك الأيام نداولها بين الناس"فهناك عمل قبل وجود الفرصة وهناك عمل لاغتنامها وهناك عمل بعد الفرص وهو ما سنتحدث عنه في القانون الأخير وهو دعائم النهضة.
القانون العاشر
الدعائم السبعة للنهضة
العمل البعدي
عندما يُمَكِّن الله للمجتمعات أو الأمم أو الحركات والتيارات، وتحقق أهدافها باستخدام القوانين والسنن التي سبق ذكرها، تجد نفسها أمام تساؤل هام، وهو ما هي احتياجات الدولة؟
فمن الخطأ أن يهمل قادة وطلاب النهضة التفكير في احتياجاتهم بعد التمكين بحجة الانشغال بما هو أهم وهو الوصول للتمكين أصلًا. وهذا التفكير وإن كان في ظاهره منطقيًا إلا أن قانون الفرصة يخبرنا أن التمكين قد يحدث بين عشية أو ضحاها، وأن الفرص في أغلب الأحيان لا يمكن التنبؤ بأوقاتها. ويترتب على ذلك أن قادة النهضة قد يجدون أنفسهم في مقاعد التمكين - إن هم أخذوا بقانون الجاهزية - في وقت ما. فكيف سيديرون الدولة؟! وما هي تصوراتهم عنها؟! وغيرها من التساؤلات التي لابد من التفكير فيها مليًا قبل الوصول والتمكين. وهذا هو ما أطلقنا عليه في قانون التداول"العمل البعدي".
وبدايةً تحتاج الدول إلى مجموعة من العناصر أو الدعائم اللازمة لاستنهاض الأمة.
الدعائم السبعة:
أولًا: الروح المشبعة بالأمل
إن أول ما تحتاجه أي أمة هو روح جديدة تسري فيها. روح مشبعة بالأمل بإمكانية الفعل التاريخي، وتحقيق النتائج، والتفوق على الأطراف الأخرى. وقد تناولنا هذا الموضوع بالتفصيل في قانون المكنة النفسية.
ثانيًا: الاعتزاز بالذات والتراث المجيد
الاعتزاز الشديد بالذات، واليقين بالقدرة على المشاركة الحضارية. وارجع إلى قانون المكنة النفسية لترى كيف تم زرع قضية الاعتزاز بالتراث الخاص لهذه المجتمعات وبمكوناتها وبقدراتها، واستثمار ذلك في سبيل البعث النفسي عند هذه المجتمعات.
إن الأمل والعزة أداتان كبيرتان تساعدان على بعث حالة نفسية وشعور جديد في هذه المجتمعات. هذا الشعور الضخم بالذات والأمل المفتوح للمستقبل، يجعل العمل الجاد والشاق هينًا على النفس، لأن الإنسان المدفوع بهذين العنصرين: الاعتزاز الشديد بالذات وعدم الرضى بالهوان، والأمل الكبير بتحقق الأهداف، يستعذب كل جهد وتعب في سبيل تحقيق ذاته وأهدافه. وبين هذين الحافزين - الأمل والاعتزاز - يصبح استثمار الوقت في الفعل الحضاري استثمارًا هائلًا وضخمًا. وارجع إلى النماذج المذكورة في قانون المكنة النفسية لترى كيف يتم تحريك الجموع، وتوظيف أوقاتها في الفعل الحضاري المتقدم في ساحة النهضة.
ثالثًا: العلم الغزير (علم الدنيا والدين)
يحتاج أي مجتمع من المجتمعات إلى منظومة علمية وقيمية. والتفكير في كيفية الحصول على العلم الغزير أمر ضروري لبناء أي مجتمع. والمجتمعات - كما يقول مالك بن نبي- نوعان: نوع يعيش في طور الطفولة نمثله بالفرد المسلم الذي يذهب إلى ديار الغرب فينبهر بعالم الأشياء. فإذا دخل معرضًا للمنتجات
وعُرض عليه منتج، فإن أعجبه اشتراه، وإذا تم إقناعه بآخر اشتراه، فيستخدمه ثم يرميه ليشترى آخر، كالطفل الذي يلعب بلعبة، فإذا تحول نظره إلى غيرها ألقى التي في يده وأخذ الأخرى. فهو ينتقل بين عالم الأشياء. بينما قد يأتي الطالب الياباني أو الطالب الذي يأتي من منظومة حضارية متقدمة، فإذا عُرض عليه منتج، فتح (دليل المستخدم) Manual لينظر إلى أسرارها، وكيف يمكن نقلها إلى مجتمعه، وهنا تأتي قضية مجتمع الرشد، الذي يبحث عن المعرفة، ولا يبحث عن عالم الأشياء.
الاهتمام بعالم الأشياء
الطفولة العلمية
الاهتمام بعالم المعرفة
الرشد العلمي
أنواع المجتمعات
مجتمعات في
طور الطفولة الحضارية
مجتمعات في
طور الرشد الحضاري
إن مجتمعاتنا لا تزال في طور الطفولة العلمية، فهي تبحث عن عالم الأشياء، ولا تبحث عن عالم المعرفة في الأشياء. وعندما تنتقل أمة من الأمم إلى عالم المعرفة، فإن ذلك لا يكون قدرًا ومصادفة، إنما هو جهد جهيد. وعندما تبدأ أمتنا في تحويل عقلية الفرد وفي تحويل المنظومة الصناعية والمنظومة العلمية من منظومة تبحث عن عالم الأشياء، إلى منظومة تبحث عن عالم المعرفة، فهي بذلك تنتقل إلى مرحلة جديدة.
ثلاثية التكنولوجيا
وهذا يقودنا إلى الحديث عن قضية التكنولوجيا. فعلى تيار النهضة أن يدرك أن التكنولوجيا ليست هي عالم الأشياء التي نتجت. فالتكنولوجيا الحقيقية مكونة من:
1.البحوث التي يتم بناءً عليها التصنيع الذي يخرج عالم الأشياء التطبيقية،
2.ومن المصانع أو الأداة التصنيعية التي تقوم بتحويل الأفكار إلى منتجات،
3.ومن الاستخدام الأمثل لعالم الأشياء أو تلك المنتجات.
من هذه المنظومة الثلاثية (البحوث والمصانع وحسن الاستخدام) يمكن أن تعرف التكنولوجيا.
أما المجتمعات التي لا تشارك في البحث العلمي بنصيب، ولا تمتلك هذه الأداة المعرفية، ولا تمتلك الأداة التصنيعية أو المصانع التي تقوم بتحويل الأفكار إلى منتجات ثم هي لا تحسن استخدامها فهي ليست مجتمعات تكنولوجية إنما هي أسواق كبيرة.
وفي غياب المفهوم الثلاثي الجوانب للتكنولوجيا يصبح المفهوم العلمي عندنا مختلفًا عن المفهوم العلمي السائد في المجتمعات التكنولوجية الحقيقية. فيصبح الهدف هو تحصيل الشهادات من غير تحصيل المعرفة الضرورية.